ads
ads

الأزمة الجزائرية.. جذورها ومستقبلها

عبد الله  السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي


فى مقهى قاهرى منزوٍ بشارع جانبى متفرع من الموسكى التقى شابان مجهولان لدقائق معدودة قبل أن ينصرف كل منهما فى طريق.
أحدهما اسمه الحركى «مسعود مزيانى» وعرفه العالم بعد ذلك باسمه الحقيقى: «أحمد بن بيللا»، وقد جاء للقاهرة بنفس اليوم طلبا للدعم العسكرى والسياسى والإعلامى باسم مجموعة من الشبان الجزائريين ينتوون إطلاق ثورة مسلحة لتحرير بلادهم من الاستعمار الفرنسى، والآخر يدرس بجامعة الأزهر اسمه «محمد بوخروبة» وعرفه العالم باسمه الحركى «هوارى بومدين».
كان ذلك يوم (25) أكتوبر (1953).
الاثنان تعاقبا على رئاسة جزائر ما بعد الاستقلال، ربطتهما علاقة خاصة، حيث حسم «بومدين» من موقعه على رأس قوات «جيش التحرير الوطنى» عند دخولها العاصمة سؤال السلطة فى يوليو (١٩٦٢) لصالح صديقه القديم قبل أن ينقلب عليه فى (١٩) يونيو (١٩٦٥) ويودعه سجنا طويلا.
على فراش مرضه العضال، وهو يواجه الموت، كان يذكر اسمه بين غيبوبة وأخرى: «سى أحمد».. كأن وصيته عند النزع الأخير فى عام (١٩٧٨) الإفراج عن قائد الثورة وأكبر رموزها ـ حسب روايات متواترة.
ربما تأثرا بتلك الروايات لم يتطرق «بن بيللا» مرة واحدة على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى خلافه مع «بو مدين» وقصة الانقلاب عليه.
حسب ما استمعت إلى «أحمد سعيد» مؤسس «صوت العرب»، وهو يستعيد وقائع قديمة لم تكن تغادر ذاكرته، فإن مدير مكتب الرئيس «أحمد بن بيللا» طالبه وألح عليه أن يحذره كصديق مقرب من احتمال انقلاب عسكرى ضده، فهو لا يريد أن يستمع من معاونيه لأى تحذير من هذا النوع.
على مائدة غداء فى شرفة «فيللا جولى»، حيث سكن الرئيس، جلسا سويا يتناقشان فى أمور عامة وخاصة.
فجأة طرح «أحمد سعيد» ما لديه من معلومات استقاها من معاونى الرئيس.
استنكر «بن بيللا» تواتر الشكوك فى «بومدين» وخبط بيديه على مائدة الطعام محتجا فتناثر الحساء فوقها، وجرى ما جرى.
كان الانقلاب على «بن بيللا» تعبيرا عن الأوضاع السياسية القلقة، التى أعقبت انتصار ثورة المليون ونصف المليون شهيد، وعن عمق التناقضات فى بنية الثورة نفسها، التى شهدت تصفيات جسدية لبعض قياداتها الكبيرة للإيقاع بين المكونين العربى والأمازيغى بفعل الاستعمار الفرنسى أحيانا، أو للتخلص من المنافسين السياسيين أحيانا أخرى.
كان انقلاب «بومدين» ذروة التراجيديا فى تناقضات الثورة الجزائرية، غير أنه نجح فى الحفاظ على وهجها التحررى وأدوارها فى القارة الإفريقية.
بمضى الوقت تآكلت الشرعية الثورية وخفتت فى الذاكرة مشاهد تضحياتها الكبرى وتكرست طبقة جديدة على قدر كبير من التغول والفساد أفرغت الحياة السياسية من حيويتها حتى أصبح حزب «جبهة التحرير الوطنى» ركاما متهالكا.
خسر حزب الثورة أول انتخابات نيابية عامة أمام «جبهة الإنقاذ الإسلامية» عام (1991)، وأفضت التداعيات على خلفية تصريحات «على بلحاج» الرجل القوى فى تلك الجبهة التى توعد فيها بانقلاب كامل على مقومات الدولة المدنية إلى انقلاب عسكرى ثان أنهى عصر الرئيس الثالث «الشاذلى بن جديد» وألغى العملية السياسية كلها، ودخلت الجزائر إلى أسوأ سنواتها وأكثرها دموية التى يطلق عليها «العشرية السوداء».
كان صعود العقيد «الشاذلى بن جديد» للسلطة فى عام (1979) عقب وفاة الرئيس «بومدين» تعبيرا عن موازين القوى التى تحكم الجزائر دون أدنى اعتبار لإرادة «جبهة التحرير الوطنى» حيث كان يمثل الجيش فى المكتب السياسى للحزب الحاكم وقد جرى فرضه بحقائق القوة.
جرى استبعاد رجلان، الأول – «صالح يحياوى» وكان يحظى بشعبية كبيرة بين أعضاء جبهة التحرير الوطنى، الذين هتفوا باسمه عاليا ومدويا أثناء أعمال مؤتمره لاختيار رئيس جديد، وقد تعرض تاليا للتنكيل السياسى.
والثانى – «عبدالعزيز بوتفليقة» ولم يكن له فى ذلك الوقت أية شعبية داخل البنية الحزبية، رغم أنه كان أقرب مساعدى الرئيس الراحل وأدار لسنوات طويلة ملف الدبلوماسية الجزائرية، وقد اتهم رسميا فى ذمته المالية قبل إعادة اعتباره بعفو من الرئيس «الشاذلى بن جديد» والمجىء به بعد سنوات طويلة فى عام (1999) لمقعد الرئيس بدعم من المؤسسة التى استبعدته سابقا.
جىء قبله بـ«محمد بوضياف»، أحد القيادات التاريخية للثورة الجزائرية، من مقر لجوئه السياسى فى المغرب رئيسا للبلاد بعد الانقلاب الثانى الذى أفضت نتائجه إلى إجبار الرئيس «الشاذلى» على الاستقالة، وقد كانت شخصيته قوية وعلى قدر كبير من استقلال القرار، بما يرجح فرضية أنه قد جرى التخلص منه بالاغتيال السياسى.
وهكذا جىء برؤساء آخرين قبل «بوتفليقة» أبعدوا واحدا تلو آخر، حتى استقرت الرئاسة عنده.
لسنوات طويلة أمسك اللواء «خالد نزار» بمقاليد السلطة من خلف وأمام الستار، لكنه عزف عن تولى رئاسة الجمهورية واكتفى بدور صانع الرؤساء، غير أن هذا الدور استنزف طاقته وقدرته على البقاء، حتى بدت صراعات الجنرالات ملمحا رئيسيا لحياة أخذت تنضب ما تبقى فيها من حيوية كما استشرى الفساد على نحو غير محتمل فى بلد يعانى اقتصاديا رغم وفرة موارده النفطية.
كان المجىء بـ«بوتفليقه» رئيسا تعبيرا عن توافقات لتخفيف الضجر العام من تفشى العنف والفساد.. فهو وجه سياسى معروف دوليا ويتمتع بحنكة دبلوماسية توفر له القدرة على المبادرة للتوصل إلى وئام وطنى تحتاجه الجزائر، وقد نجح فى هذه المهمة، كما أضفى حضوره الرئاسى شيئا من الهيبة لكن دون مساس بشبكة المصالح والنفوذ.
تمددت الأزمة فى صورة جديدة مع رئيس جديد حتى انفجر صراع مكتوم على وراثته منذ عام (2013) عندما أصيب بجلطة دماغية لم يتمكن بعدها من أن يمارس مهامه وبدا فى وضع عاجز على كرسى متحرك.
بدا الأمر مهينا للكبرياء الجزائرى أن يكون الرئيس المريض محض واجهة لآخرين فى شبكات القوة والمصالح والنفوذ وأن تمدد رئاسته لـ«عهدة خامسة» فيما هو لا يستطيع أن يخاطب شعبه.
القضية ليست «عبدالعزيز بوتفليقة» بقدر ما هى أن القنوات السياسية والاجتماعية انسدت بصورة منذرة وطاقة الجزائريين على التحمل نفدت بالكامل.
مشكلة القوى المهيمنة على السلطة أنها تحاول فى الوقت بدل الضائع البحث عن بديل يناسب مصالحها وتعمل بأقصى ما تستطيع على إرجاء أى تغيير لعام واحد تجرى بعده انتخابات رئاسية مبكرة لا يشارك فيها «بوتفليقة» – كما تعهد فى رسالة منسوبة إليه.
وفق ذلك التعهد يوضع دستور جديد قبل الانتخابات الرئاسية المبكرة يكرس ميلاد جمهورية جديدة ونظام جزائرى جديد يقضى على جميع أوجه التهميش والإقصاء وجميع أشكال الرشوة والفساد.
بالنظر إلى عمق فجوات الثقة لم يتوقف الحراك الشعبى، ولا توقفت مطالبات عزل الرئيس وإلغاء الانتخابات المقررة فى إبريل المقبل.
ومشكلة الحراك الشعبى أن قوته فى غضبه دون أن تتوفر له قيادة قادرة على الإمساك بحركة الأحداث وفق خطة عمل تلهم التغيير الضرورى وتمنع أية انتكاسة محتملة.
نقلًا عن "الشروق"

ads