ads

سجال فضائى

محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ



لا يوجد وصف لما دار على الهواء مباشرة بين النائبة البرلمانية غادة عجمى والناشطة الحقوقية الفرنسية كلير تالون على برنامج «النقاش» المذاع عبر قناة «فرانس24» يوم الأربعاء الماضى، سوى أنه «وصلة ردح فضائى»، أساءت فيه النائبة ليس للمجلس التى تنتمى إليه فقط أو للنظام الذى بالغت فى الدفاع عنه، بل إلى الدولة التى غيبت عنها السياسة وأخمدت فيها أصوات الساسة فلم تجد سوى عجمى ليصبحوا لسان حالها.

تخيلت النائبة عجمى أنها تجلس أمام كاميرا لإحدى الفضائيات المصرية التى لا يشاهدها أحد، فبدأت حديثها فى القناة الفرنسية باستعراض لتاريخ العلاقات بين مصر وفرنسا، وعلى طريقة مجاملة أصحاب الفرح والمشاهدين والضيوف و«الناس الحلوة اللى شرفتنا النهاردة»، أشادت عجمى بالتعاون بين البلدين والذى بدأ منذ حملة نابليون بونابرت على مصر، وتناست وكيلة لجنة العلاقات الخارجية أن تلك الحملة كانت تهدف إلى احتلال مصر وإخضاع شعبها للحكم البونابرتى.

وبغض النظر عن مدى إلمام الباحثة الفرنسية التى عملت لفترة كمراسلة لصحفية لوموند فى القاهرة، بالملفات التى تحدثت فيها، وتركيزها على أرقام وأحداث وردت فى تقارير منظمات لا تعمل فى الشارع المصرى منذ فترة، إلا أن الطرف المصرى فى تلك المناظرة تمكن من حيث لا يدرى من ضرب سمعة نظام الدولة، بتصدير صورة أن بعض ممثلى الشعب عديمى الكفاءة، يصاحبهم سوء التقدير أينما حلوا.

فوكيلة لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصرى أخذتها الجلالة وأرادت أن تسمع حكامها ما يرضيهم، فقالت: «إن الرئيس السيسى وله كل العزة أنقذ مصر والوطن العربى بل والعالم أجمع من خطر الإرهاب»، ولأنها كالقط الذى أراد أن يزيد جمال عينيه فوضع الكحل على مخلبه فـ«عماها»، فذكرت أن مصر فقدت نحو 40 ألفا من أبناء الشرطة والجيش فى حربها مع الإرهاب، «أين حقوق الإنسان من الشهداء وأسرهم؟! هناك أكثر من 40 ألفًا من الشرطة والجيش والأبرياء استشهدوا».

كلام النائبة غير المسئول أثار الجدل وصوّر أن هناك حربا أهلية فى شوارع مصر، فالرقم بالطبع لا يمت للواقع بصلة، ولو أن البرلمان يقوم بواجباته لأحال عجمى إلى التحقيق لسؤالها عن مصدر أرقامها المضللة، ولوجّه إليها تهمة الإساءة إلى مصر ليس بسبب الرقم المغلوط فقط، بل بسبب ردودها وطريقة حديثها التى أهانت المجلس الموقر.

الحلقة التى ختمتها النائبة البرلمانية فى معرض ردها على الناشطة الفرنسية بـ«حقوق إنسان عند ماما»، وتحولت على مواقع التواصل الاجتماعى إلى «تريند» خلال الأيام الماضية، دعمت فكرة أن تعبير «حقوق الإنسان» يصيب بعض المسئولين بحساسية «أرتيكاريا»، فما إن يُوجه نقد إلى ملف حقوق الإنسان المصرى فى محفل عام إلا وتجد المسئول المصرى يتغير لونه ويبدأ فى إطلاق عبارات غير مفهومة من عينة «حقوق المجرمين والإرهابيين.. الحقوق لا تقتصر على الحريات السياسية العامة وحرية الرأى والتعبير.. هناك حقوق اجتماعية واقتصادية مثل الحق فى العمل والتعليم.. نحن نحترم القانون والدستور والقضاء.. إلخ»، وكأن الشعب المصرى يرفل فى نعيم الدنيا وملذاتها.

ما جرى، أعاد إلى الذاكرة كيف كان ساسة نظام مبارك يواجهون معارضيه على الفضائيات المصرية والعربية والدولية، فحتى مع فجرهم فى الخصومة وتلاعبهم بالأرقام والبيانات وتشكيكهم فى نوايا من يواجهون، إلا أنهم كانوا على دراية بالملفات التى يتحدثون فيها والمنصات التى يطلون منها، المقارنة بين ما كان وما هو قائم كشفت حجم التدنى فى مستوى من يتصدرون للدفاع عن النظام.

صدق فينا قول المتنبى «يا أمة ضحكتْ من جهلها الأمم».

نقلًا عن "الشروق"