ads
ads

سيناريوهات الحرب الإسرائيلية المقبلة

عبد الله  السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
ads

تكاد الحرب أن تكون عنوانا رئيسيا فى إسرائيل على ما يمكن أن تذهب إليه الحوادث المقبلة.
الحرب ــ بذاتها ــ هدف مطلوب وملح بغض النظر عن جبهتها وحجمها وما قد يترتب عليها من آثار ونتائج.
بقدر ما تعرضت نظرية الأمن الإسرائيلى إلى انكشاف مروع فى مواجهات غزة الأخيرة تبدى اضطرابا كبيرا فى بنية حكومة «بنيامين نتنياهو» حتى كادت أن تسقط وتدخل إسرائيل فى انتخابات مبكرة.
حدث اهتزاز فى الثقة العامة بعد الفشل الذريع للعملية الاستخباراتية الإسرائيلية فى غزة، التى كادت توقع قوتها فى الأسر.
وحدث اهتزاز آخر فى البنيتين السياسية والعسكرية بعد أن نجحت المقاومة فى إطلاق أكثر من (400) صاروخ على محيط غلاف غزة دون تصد يعتد به.
أخذت مكونات الائتلاف الحكومى تتنابذ بالأمن، وكل طرف يحاول أن يثبت أنه الأكثر تشددا.
حاول «نتنياهو» أن يجهض سيناريو انهيار حكومته واللجوء لانتخابات مبكرة بالتخويف من احتمال عودة «اليسار الإسرائيلى» للحكم وتوقيع اتفاقية جديدة مع الفلسطينيين أسوأ من «أوسلو» ـ كما قال.
كما حاول إضفاء طابع عسكرى وأمنى غامض على مواقفه وسياساته طلبا لدعم الأحزاب اليمينية المتشددة: «نحن فى طريقنا للحرب.. لن أقول متى سنتحرك أو كيف؟ لكن لدينا خطة واضحة، أنا أعرف ماذا أفعل ومتى.. وسنفعل».
هكذا نجح فى الحفاظ على ائتلافه الحكومى الهش بعد إقناع «نفتالى بينيت» رئيس حزب «البيت اليهودى»، أحد التعبيرات السياسية عن جماعات المستوطنين، بالتخلى عن طلب تولى حقيبة وزارة الدفاع خلفا لـ«إفيجدور ليبرمان» الذى استقال احتجاجا على وقف إطلاق النار مع «حماس» متهما «نتنياهو» بأنه «فضل الإرهاب على السلام!» فى انتهاك للمعانى لا مثيل له.
يصعب الادعاء أن إعلان «نتنياهو» عن حرب قريبة محض كلام فى ظل أزمة حكومية ومزايدات أمنية صاحبتها، أو أنه سوف ينسى بعد حين.
العكس صحيح تماما.
حسب الصحافة الإسرائيلية فإن هناك خططا جاهزة للتنفيذ بأى وقت ناقشها المجلس الوزارى المصغر.
وبحسب التوازنات الحكومية الهشة فإن «نتنياهو» مرشح للإقدام على عمل عسكرى يثبت أنه الأكثر تشددا فى معسكر اليمين الصهيونى والأقدر على حفظ الأمن الإسرائيلى.
بعد عام بالضبط تجرى انتخابات الكنيست فى إسرائيل.
إنه عام الحرب بقدر ما هو عام الانتخابات.
بنص كلام «نتنياهو» «لا مكان للسياسة فى قضايا الأمن»، وهو كلام مراوغ، فالأمن والسياسة فى إسرائيل وجهان لعملة واحدة.
إسرائيل مجتمع استيطانى عسكرى، كل شىء فيه يبدأ وينتهى بالأمن.
الشعور بعدم الأمان يعود إلى طبيعة الدولة ونشأتها وسط محيط عربى يعاديها.
رغم الصورة التى يبدو عليها العالم العربى الآن من تفكك وضعف وصل ذروته فى هرولة متسارعة من دول فى الخليج لتطبيع العلاقات مع إسرائيل استخباراتيا وعسكريا واقتصاديا دون أدنى ارتباط بأية انسحابات من الأراضى المحتلة منذ عام (1967) فإن ذلك لا يطمئن إسرائيل ولا يغير من نظرتها، فلا أمن بلا قوة تردع العرب مجتمعين ـ إن اجتمعوا.
بغض النظر عن مكان وحجم العملية العسكرية المقبلة، فإن رسالتها لا تستثنى أحدا ـ الذين يهرولون بالتخاذل كما الذين يقاومون بالإرادة.
أين الضربة المتوقعة؟
السيناريو الأول ـ إخلاء «الخان الأحمر» شرقى القدس المحتلة بالقوة دون اعتداد بأية اعتراضات دولية استدعت ـ حتى الآن ـ وقف الإجراءات العنيفة.
«نتنياهو» نفسه كشف عن هذا التوجه دون أن يحدد موعدا.
الإخلاء بالقوة الغاشمة لا يرد اعتبارا للآلة العسكرية الإسرائيلية، التى تعرضت لهزة شديدة فى آخر مواجهات غزة، بقدر ما يستدعى ردات فعل تندد وتحفز على استنفار طاقة المقاومة الشعبية فى القدس والضفة الغربية.
كما أنه لا يمثل حربا واسعة تعهد بها «نتنياهو» للحفاظ على ائتلافه الحكومى الهش فى عام الانتخابات.
السيناريو الثانى ـ عدوان جديد على غزة يشبه حروب أعوام (2008) و(2012) و(2014) تدوى فيه المدفعية الثقيلة والصواريخ، تقتل وتروع وتهدم بيوتا على رءوس أهلها، دون أن تسفر ـ كالعادة ـ عن تغيير فى قواعد الاشتباك، أو موازين القوى السياسية والعسكرية.
هذا السيناريو يصطدم بمشروع التهدئة طويلة المدى بين إسرائيل وحماس، الذى يحظى بدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية فى الدولة العبرية.
كما يصطدم بخطة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، التى يطلق عليها «صفقة القرن» المرجح إعلانها مطلع العام المقبل، إن لم يؤجل ذلك الإعلان لفترات أخرى حتى تتهيأ له فرص تمريره.
أحد أسباب «نتنياهو» لعدم الذهاب لانتخابات مبكرة، ترشحه استطلاعات الرأى العام الإسرائيلية لتصدرها، عدم إرباك الصفقة المنتظرة، التى تتماشى مع المشروع الصهيونى فى أكثر صوره تشددا.
على الأغلب سوف يحاول توظيف الأزمة الحكومية، التى تعرض لها، فى الحصول على مكاسب إضافية، كإعلان أكثر من دولة عربية بوقت متزامن الاعتراف بإسرائيل وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها باسم تشجيعها على المضى فى السلام دون أن يرتهن هذا النوع من السلام لأية مرجعيات دولية تصون الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.
حسب ما هو مسرب من «صفقة القرن» فإن فكرتها الجوهرية تفريغ قضية غزة من طابعها الوطنى الفلسطينى وإحالتها إلى قضية إنسانية تتكفل بها بعض المشروعات والمساعدات الاقتصادية وبعض أوجه تخفيف المعاناة عن أهلها المحاصرين.
فى حالة أى عدوان واسع على غزة الكلام كله ينتفى والضغوط تتبدد.
لا أحد فى إسرائيل يجزم أن الضربة المقبلة سوف تكون فى غزة، رغم توافر الأسباب الداعية وأهمها أن هيبة جيش الدفاع الإسرائيلى اهتزت فى آخر المواجهات معها.
السيناريو الثالث ـ استبعاد العمل العسكرى الواسع فى غزة مع الإقدام على عمليات نوعية استخباراتية كالاغتيال المنهجى لقيادات سياسية وعسكرية كبيرة فى حركة «حماس».
هذا السيناريو ممكن لكن تداعياته تفضى ـ بالضرورة ـ إلى تقويض مشروع التهدئة طويلة المدى.
السيناريو الرابع ـ أن تنتقل حركة النيران من الجبهة الجنوبية إلى الشمالية، من غزة إلى جنوب لبنان.
السيناريو محفوف بالمخاطر، فالقدرة العسكرية لحزب الله ومستويات تسليحه أعلى بما لا يقاس بما تحوزه «حماس» وجماعات المقاومة المسلحة الأخرى فى غزة.
مما يقال فى الصحافة الإسرائيلية لتسويغ نقل دفة النيران إلى الجنوب اللبنانى منع «حزب الله» من تعظيم قدرته العسكرية بإمدادات جديدة من السلاح النوعى.
يصعب الإقدام على السيناريو اللبنانى بالنظر إلى كلفته الباهظة على الأمن الإسرائيلى نفسه والمواجهات السابقة تزكى عدم الاندفاع فيه، لكنه غير مستبعد بالنظر إلى العقليات التى تحكم الدولة العبرية.
السيناريو الخامس ـ أن تتجه حركة النيران إلى المواقع السورية باسم ملاحقة التمركزات العسكرية الإيرانية.
لمرات عديدة تدخلت القوات الإسرائيلية بضربات صاروخية تبنت تلك الذريعة، لكنها أخفقت فى أية تعديلات على موازين القوى، أو الإضرار بالمركز السياسى الإيرانى فى الأزمة السورية.

الأسوأ إسرائيليا أن آخر الغارات أفضت إلى أزمة مع روسيا بعد إسقاط إحدى طائراتها، وكان من تبعاتها إمداد دمشق بالمنظومة الصاروخية المتقدمة «إس ــ 300».
لن يكون الأمر سهلا هذه المرة، فالرادع الروسى منظور، وقوة التصدى جاهزة.
الحرب تطل برأسها، لكن لا أحد يعرف أين.
مشكلة إسرائيل أنها ليست قوية إلى حد أن تكشر عن أنيابها على جبهات مختلفة.
ومشكلتنا نحن أننا لا ندرك أننا لسنا ضعفاء إلى هذا الحد.

نقلًا عن "الشروق"

ads
ads