ads
ads

توازن الرعب

محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
ads


على الرغم من التفوق الهائل للقوة العسكرية الإسرائيلية، فإن المقاومة الفلسطينية فى غزة تمكنت خلال الأيام الماضية من فرض ما يسمى فى علوم الصراع بـ«توازن الردع المتبادل» أو «توازن الرعب» على دولة الاحتلال.


وقوع وحدة من قوات النخبة الإسرائيلية فى فخ فصائل المقاومة، وقتل قائدها فى خان يونس مطلع الأسبوع الماضى وما تبعها من إطلاق مئات الصواريخ على مناطق الغلاف الاستيطانى الملاصق للقطاع، دفع الرأى العام الإسرائيلى إلى حالة من الغليان لم تحدث منذ فشل جيش الاحتلال أمام قوات «حزب الله» اللبنانى صيف 2006.


العملية لم تنته عند الفضيحة العسكرية لوحدة «نخبة قيادة الأركان» لجيش العدو، لكنها أسفرت عن خسائر سياسية لن تتوقف عند استقالة وزير الدفاع الإسرائيلى أفيجدور ليبرمان احتجاجا على قبول حكومته هدنة مع فصائل المقاومة، واعتباره قبول الهدنة «استسلاما وخضوعا للإرهاب»، بل سينتقل تبعات ما جرى على انتخابات «الكنيست» التى ستجرى العام المقبل، إن لم تصل الأمور خلال ساعات إلى طريق مسدود بين أعضاء الائتلاف الحكومى، خاصة بعد دعوة ليبرمان إلى انتخابات مبكرة، واشتراط حزب «البيت اليهودى» لبقائه بالحكومة تكليف رئيس الحزب نفتالى بينيت وزير التعليم الحالى بحقيبة «الدفاع»


إذن إسرائيل تغلى على وقع «الفضيحة والإخفاق العسكرى»، وما بين القوسين ليس تعبير كاتب هذه السطور، بل هو مصطلح تم استخدامه بصياغات مختلفة فى الإعلام العبرى خلال الأيام القليلة الماضية.


فصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أشارت فى مقال للكاتب ناحوم برنياع إلى أن «السبيل الذى أنهت به القيادة السياسية الجولة الأخيرة مع المقاومة كان فاضحا»، وأوضحت أن «كل واحد من أعضاء الحكومة المصغرة «الكابينيت» تخفى ولم يكن مستعدا لأن يأخذ المسئولية عن الخطوة العسكرية».


ولفتت الصحيفة إلى أن «نتنياهو بنى حملته الانتخابية على نجاحه الشخصى، بأن إيران تخافه، وحماس مردوعه، وأبو مازن مهان، والدولة آمنة»، مستدركة بقولها: «كل هذا تشقق، وجمهوره بمن فيهم أولئك الذين خرجوا للتظاهر فى سديروت، فهموا هذا»، فى إشارة إلى المظاهرات التى انطلقت ضد حكومة نتنياهو بعد فشل جيش الاحتلال فى التصدى لصواريخ المقاومة على تلك المستوطنات.


وأكدت «يديعوت أحرونوت» أنه «عشية الانتخابات لا يمكن لنتنياهو أن يقف فى شارع فى عسقلان، ويعد بأنه سيسقط حكم حماس»، مشددة على أن «الحراس سيبعدونه عن هناك، وسيقولون له: لا يا سيدى، نحن لا نريد أن يطير صاروخ من غزة من فوق رأسك فى منتصف الخطاب»، فى إشارة إلى سخرية الصحيفة من عدم قدرة نتنياهو على تحقيق وعوده.


فيما قال الكاتب الإسرائيلى فى صحيفة «معاريف» مائير عوزيئيل، إن «الجولة التصعيدية الأخيرة فى غزة أسفرت عن تحقيق حماس لإنجاز حالة ردعية أمام إسرائيل، ونجحت هذه المنظمة بسبب أخطائنا نحن».


وتساءل عوزيئيل: «هل الردع ما زال فعالا، سيجيب الكل: نعم، لكن الحقيقة أن ردع حماس هو الذى ما زال سارى المفعول، إسرائيل مردوعه من ثلاث جهات: حماس، والعالم، ومن أنفسنا، وما حدث فى الأيام الأخيرة تجاوز لكل خط أحمر، من يصدق أن 460 صاروخا سقطت على المدن الإسرائيلية، هذا عدد لم يرد حتى فى سيناريوهات أفلام نهاية العالم».، مؤكدا أن «هدف حماس كان ردع إسرائيل، وقد تحقق لها ذلك».


وهو ما أشار إليه المحلل الإسرائيلى بن كسبيت فى صحيفة «معاريف» أيضا بقوله: «القسام تدفن موتاها بيد وتطلق صاروخا مضادا للدبابات على حافلة من الجنود و200 صاروخ على المستوطنات بيد أخرى»، مضيفا أن «ما لا يفهمه نتنياهو هو أن القوة لا تقاس بالطائرات والدبابات والناتج الاقتصادى، فالقوة تقاس أيضا باستعدادك لدفع الثمن».


أهل غزة اعتادوا دفع الأثمان وتقديم التضحيات عبر عقود، فى المقابل يصعب على المحتل تقديم أى تضحية حتى ولو كانت ضئيلة، فالتضحيات تدفع صاحب القضية والأرض إلى المزيد من التحدى والإصرار على الانتقام، هكذا كانت معادلة المقاومة عبر التاريخ، الفيتناميون ضد أمريكا، والأفغان ضد السوفيت.


الشعب الذى قاوم لعقود وقدم التضحيات أنهارا من دماء أبنائه، خبر مع الوقت كيف يقاوم وكيف يناور ومتى يهادن ومتى يرد وبأى مقدار؟.

نقلًا عن "الشروق"

ads
ads