ads
ads

أقوال أخرى فى قضية خاشقجى

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
ads


أزاحت أزمة مقتل الصحفى السعودى «جمال خاشقجى» فى قنصلية بلاده بإسطنبول ملفات دولية أكثر أهمية وخطورة من صدارة نشرات الأخبار، تطوراتها تجرى تحت الكاميرات وتسريباتها تشد الاهتمام الدولى على نحو غير مسبوق.
بدت الأزمة ــ بذاتها ــ كأنها اختبار أخلاقى وسياسى لا مفر من الإجابة عليه.
لماذا؟
هذا سؤال تتداخل فى ظلاله قضية حرية الصحافة وما تمثله من قداسة فى الخطاب الإنسانى المعاصر وحجم الإثارة فى القصة نفسها بما تحتويه من بشاعة فى تفاصيلها التى تتكشف يوما بعد آخر والعالم يتابع مذهولا وقدر المصالح الماثلة فى مقايضات الكواليس لحصد المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية على حساب أية قيمة إنسانية.
موضوع الاختبار هو مدى الالتزام بالقيم الإنسانية الحديثة وكشف الحقيقة كاملة وعقاب المتورطين فى جريمة القنصلية بغض النظر عن حسابات المصالح.
ما يحدث فى الكواليس، وبعضه يتسرب، من ضغوطات وصفقات تجعل الاختبار الأخلاقى عسيرا، كما هى العادة فى العلاقات الدولية.
لماذا حدث ما حدث؟.. وكيف؟.. وبأى تفكير؟
هذا سؤال ثانٍ معلق فى فراغ التسريبات والصفقات والتوظيفات السياسية للحادث يتجاوز ما هو جنائى بشع إلى ما هو سياسى أبشع.
لا يوجد مبرر واحد مقنع يفسر الإقدام على ذلك الاغتيال الوحشى لصحفى لا يملك غير رأيه ولا يصف نفسه بأنه معارض وسجله طويل فى العمل بالقرب من صناعة القرار.
بتعبير لافت لوزير الطاقة السعودى «خالد الفالح» فإن «الحادث مقيت ولا يمكن تبريره» وأنه وضع بلاده فى أزمة.
ما توصيف الأزمة وحدودها وما قد يترتب عليها من تحولات فى بنية الحكم؟
هذا سؤال ثالث حساس ومفتوح على أوسع نطاق دولى الآن.
أسوأ قراءة ممكنة فى الأزمة وطبيعتها وتداعياتها حصرها فى جانبها الجنائى، فالنظر السياسى أخطر وأفدح.
رغم أهمية ما هو جنائى فى إضاءة المشهد العام إلا أن ما هو سياسى له الكلمة الأخيرة فى مدى ما تصل إليه القضية وما يترتب عليها من تداعيات تشمل ــ بالضرورة ــ الإقليم بأزماته المشتعلة فى سوريا والدور التركى فيها، وفلسطين المحتلة وما تتعرض له من سيناريوهات تحملها «صفقة القرن» واليمن وما يشهده من مأس إنسانية تفوق بشاعتها أية قدرة على الوصف، وإيران واحتمالات تفكك التحالف المقترح لحصارها الذى تتصدره السعودية.
بحسابات المصالح الاستراتيجية لا بالاعتبارات الأخلاقية بدا الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» براجماتيا تماما فى إدارة الأزمة.
تابع البدايات عبر أجهزته الاستخباراتية، لكنه لم يتدخل لوقف الجريمة أو القبض على فريق الاغتيال قبل أن يغادر مطار إسطنبول فى نفس اليوم ـ حسب اتهام معلن لزعيم حزب الشعب الجمهورى أكبر حزب تركى معارض «كمال كيليتشدار أوغلو».
قد يكون من أسبابه ما يلزمه القانون الدولى من إجراءات، أو خشية أن يقع فى محظور تهمة التنصت على القنصلية السعودية.
وقد يكون من أسبابه أنه وجد أمامه فرصة سانحة للاستثمار السياسى فيما لا يمكن نفيه، أو التهرب من استحقاقاته.
تعمد ألا تصدر كلمة رسمية واحدة فى الحادث، لكنه أفسح المجال أمام إعلامه لكى يسرب المعلومات وأطلع المراكز الدولية المؤثرة وأجهزة استخباراتها بما توافر له من أدلة وقرائن وصور وتسجيلات حتى يدول ــ دون إعلان ــ الأزمة ويحول دون أن تكون تركية سعودية.
قبل يومين من خطابه أمام الكتلة البرلمانية لحزبه «العدالة والتنمية» الثلاثاء الماضى أعلن أنه سوف «يعرى» كل الحقائق ويكشف كل الأسرار فى قضية «خاشقجى»، لكنه لم يفعل واحتفظ بأوراقه لوقت آخر، يجىء أو لا يجىء.
اعتبارات المصالح غلبت نزعته الشعبوية.
ما الذى حدث بالضبط فى المسافة الزمنية القصيرة بين «حديث التعرية» و«حديث الدبلوماسية» الذى نفى فيه صلب الرواية السعودية من أن حادث الاغتيال جرى بمشاجرة داخل القنصلية مؤكدا بلا إسهاب أنه كان مدبرا وجرى التجهيز له دون أن يذكر أية معلومات جديدة، أو يشر إلى أسماء بعينها فى أعلى هرم السلطة تورطت فى الجريمة وتتحمل مسئوليتها السياسية؟
باليقين فإن اتصالات الغرف المغلقة ومقايضات الكواليس خاصة مع الإدارة الأمريكية ومديرة استخباراتها المركزية «جينا هاسبل» أفضت إلى ذلك الأداء المتحسب لكل حرف.
التلميح من بعيد غير الاتهام المباشر.
الأول ــ لا يقطع الطريق على أية مصالح اقتصادية تحتاجها تركيا المأزومة فى ليرتها والتى يعانى اقتصادها تبعات عقوبات أمريكية، كما قد يساعد الضغط بالتلميح فى رفع سقف أية تفاهمات محتملة بين البلدين فى ملفى الأزمتين الخليجية والسورية.
والثانى ــ موضوع صدام يصعب معرفة حدوده إذا لم يكن واثقا من المدى الذى تتوقف عنده أية ضغوطات أمريكية محتملة.
لم تكن مصادفة توقيت إفراج «أردوغان» عن القس الأمريكى «أندرو برونسون» المحتجز فى بلاده على خلفية اتهامه بالإرهاب ودعم جماعة «فتح الله جولن» فى ذروة أزمة مقتل «خاشقجى».
وقد كان ذلك سببا مباشرا للصدام مع البيت الأبيض وفرض عقوبات اقتصادية عليه.
كأنه لم يعتبر احتجاز القس الأمريكى مسألة كرامة وطنية وأن العقوبات عليه مؤامرة دولية، تخلص من صداع «برونسون» باحثا عن الفرص المتاحة أمامه فى أزمة «خاشقجى».
من ناحية عملية أحال جانبا كبيرا من مسئولية إدارة الأزمة إلى البيت الأبيض الأمريكى دون أن يفرط بما لديه من أوراق.
فى كلمته شبه الباهتة، التى انتظرها العالم دون أن يجد فيها ما توقعه، طرح «أردوغان» سلسلة من الأسئلة الجنائية لكن خلفياتها السياسية لا يمكن تغافلها مثل: من أمر بالعملية؟.. وأين الجثة؟.. وما اسم المتعاون المحلى الذى تكفل بإخفائها؟
بلهجة دبلوماسية طالب العاهل السعودى بتقبل محاكمة المتهمين فى إسطنبول؛ حيث جرت الجريمة، وهو يعرف أن طلبه لن يجاب، وألمح إلى تحقيق دولى شفاف يدخل القضية فى مسار آخر، وهذا سيناريو غير مستبعد بالنظر إلى حجم الضغوطات الدولية المتصاعدة، كأنه يذكر بما يحتفظ به من أوراق.
بدرجة أخرى من البراجماتية تشوبها عشوائية ظاهرة بدت الأزمة اختبارا قاسيا على الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، تصريحاته وتدويناته تناقض بعضها.
وصف خطاب «أردوغان»، الذى بدا مريحا إلى حد ما للسعودية، بأنه «كان قاسيا جدا عليها».
بنفس الجملة وصف المعالجة السعودية بأنها «أسوأ تستر على الإطلاق».
اضطراب تصريحات «ترامب» انعكاس لحجم الضغوطات الصحفية والإعلامية والسياسية عليه خاصة من دوائر مؤيديه داخل الكونجرس الأمريكى، التى تدخل فى أسبابها خشية خسارة انتخابات التجديد النصفى التى اقتربت مواعيدها.
«ترامب» كـ«أردوغان» لا تعنيه قضية حرية الصحافة، لكن الولايات المتحدة ليست تركيا.
تحت ضغط الصحافة جرى بناء موقف إنسانى لا يمكن تحديه.
هكذا وجد «ـترامب» نفسه أمام معضلة، فهو لا يريد أن يبدو كمن يتستر على جريمة تناثرت بشأنها تسريبات بشعة، كما لا يريد أن يخسر رهانه على استثمارات وصفقات سلاح مع السعودية تصل ـ كما صرح مرة بعد أخرى ـ (450) مليار دولار.
أمام معضلته ارتبكت تصريحاته، لكن الخط العام احتفظ بقوامه الرئيسى وهو تطويق الأزمة عند مستوى لا تتجاوزه يجيب على الأسئلة المعلقة بقدر ما هو ممكن دون أن يقلب قواعد اللعبة.
تحاول السعودية أن تماشى أجواء الأسئلة وأن تؤكد بصيغ متعددة تعهدها بمحاسبة المتورطين «كائنا من كان» ـ حسب بيان أخير لمجلس وزرائها.
الصياغة ــ بذاتها ــ لافتة لكن إلى أى حد ومتى وكيف؟
فى مثل هذه القضايا هناك دائما أقوال أخرى بقدر ما تتكشف من أسرار وما تتبدى من صفقات.

نقلًا عن « الشروق»

ads