ads
ads

«بالونات الاختبار».. سلاح فاسد يضرب مصداقية الحكومة

حكومة مصطفى مدبولى - أرشيفية
حكومة مصطفى مدبولى - أرشيفية
على الهواري


إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي تصدر الدولة وأجهزتها المختلفة خلال الشهور الثلاثة الأخيرة لـ«21» ألف شائعة، كانت تهدف إلى إثارة البلبلة داخل المجتمع، وتقويض مؤسسات الدولة، طرح سؤالًا مهما عن مدى مسئولية الحكومات المتعاقبة عن نشر هذه الشائعات، وإلى أي مدى تساعد هذه الحكومات على تقبل الناس لها، وتخلق البيئة الصالحة لنشرها، وتعطى الفرصة لأعداء الوطن لتحقيق مآربهم الشريرة؟


بالونات الاختبار

بالونات الاختبار من الوسائل التي استخدمتها الحكومات المتعاقبة لـ«جس» نبض الجماهير ورد فعلهم حول قضية معينة، من أجل اتخاذ قرار فيها، فإذا وجدت رفضا شعبيا لهذه الفكرة تراجعت عن تطبيقها، وإن لم تجد طبقتها، وبالتالي تتحول الشائعة إلى حقيقة واقعة، ما يقوض مصداقية الحكومات لدى الشعوب، ويجعل الشعوب لديها استعداد لقبول أي شائعات أخرى يطلقها أعداء الوطن أو غيرهم.


الكاتب سمير رجب كتب مقالا في صحيفة المصري اليوم تحت عنوان «بالونات اختبار.. التغيير الوزارى»، قال فيه: «تولى د. عاطف صدقى رئاسة الحكومة فى مصر يوم ٩ نوفمبر عام ١٩٨٦، وقد لقى اختياره استحسانًا جماهيريًا فقد جاء بعد تجربة سنوات عدة أمضاها كرئيس للجهاز المركزى للمحاسبات، حيث استشعر الناس أنه سيجرى إصلاحات اقتصادية.. علمية ومدروسة.. فضلًا عن تحقيق الانضباط فى الأداء الحكومى.. وكالعادة لم يكد يمر سوى عام واحد حتى ارتفعت الأصوات من هنا وهناك تطالب بالتغيير!.. كان الرجل يتعجب، وكان دائمًا يكرر للمقربين منه لماذا لا يعطوننى الفرصة حتى أحقق الأهداف.. أريد فقط عامين آخرين ثم تشاء الظروف أن يستمر فى منصبه طيلة عشر سنوات كاملة.. إحقاقًا للحق.. كان الرجل يتمتع بكفاءة اقتصادية عالية.. فضلًا عن أنه هادئ الطبع، طويل البال، وقد اشتهر بأنه يقضى ما لا يقل عن ١٨ ساعة كاملة فى مكتبه مع أكواب الزبادى وأطباق المهلبية!، كما يحسب لعاطف صدقى أنه أول من قام بالفعل بوضع أسس الإصلاح الاقتصادى، وهو الأمر الذى يثير ضجر الناس كالعادة!، المهم.. بعد العام الأول.. أخذت الشائعات تدوى.. والتكهنات تتزايد يومًا بعد يوم، لدرجة أن د. عاطف صدقى طلب من سكرتيرية مكتبه عدم عرض الصحف عليه، وطوال التسعة أعوام المتتالية.. بدا واثقًا من نفسه.. يعمل فى صمت ودون ضجيج.. لكن عندما ضاق ذرعًا بما يجرى.. حرص على أن يصدر مجلس الوزراء بيانًا، أصبح فيما بعد شبه موحد الكلمات، يقول: لا نية لإجراء تغييرات أو تعديلات وزارية حاليًا. مرة سألته: هل أنت موقن بالفعل بأن القيادة السياسية ليس فى نيتها استبدال حكومتك بأخرى، لاسيما فى ظل هذه المطالبات الزاعقة بالتغيير؟! ابتسم، رحمه الله، وقال: أبدًا.. كلها بالونات اختبار!


وأخذ د. عاطف صدقى يشرح ماذا يعنى ببالونات الاختبار، مشيرًا إلى أنه يعلم بأن بعض الجهات فى الدولة تحاول جس نبض الجماهير.. تطلق هذه الشائعات ثم ترصد نتائجها.. وبالتالى.. فما الذى يمنع من جانبى بأن أطبق نفس النهج؟! حتى عندما أعلن وزير ماليته، وصديقه الحميم، د. محمد الرزاز، عن تنفيذ ما تسمى «ضريبة المبيعات».. وهاجت الدنيا وقتئذ وعلت الأصوات المطالبة بالتغيير أكثر وأكثر.. لم يهتز د. عاطف صدقى، مؤكدًا أنه لا رجعة فى إجراءات الإصلاح، فى نفس الوقت الذى زاد فيه من بالونات اختباره.


باختصار شديد.. فإن الحديث عن التغييرات أو التعديلات الوزارية ليس وليد اليوم، ولكنه يبدو بمثابة هواية عند المصريين.. سواء أكانوا حكامًا أو محكومين. بكل المقاييس توجد فئات عديدة فى المجتمع تتمنى أن تصير الشائعات حقيقة واقعة، أملًا فى التجديد الذى يتصور الكثيرون أنه كفيل بالقضاء على مشاكلهم أو معاناتهم، أو أقدر على تحقيق أمانيهم ورغباتهم.. مثلًا عندما تبلغ معدلات التضخم «٣٣٪» ودون أن تتم مواجهتها بأساليب حاسمة ورادعة أليس ذلك كفيلًا بالبحث عن بصيص من نور أو الانتظار لبزوغ القمر حتى ولو كان فى غير موعده؟!


أيضًا.. حينما يكون هناك إصرار على رفع أسعار السلع والخدمات دون توقف.. وبلا هوادة.. ألا يقتضى الحال عندئذ التوقف ولو قليلًا عند أول مفترق طرق؟! كذلك عندما تمتلئ الدنيا صياحًا بإصدار قانون جديد للاستثمار.. ثم يبدو التلكؤ بصدده واضحًا ألا يصبح التململ سمة واضحة من سمات السلوك البشرى؟!


وأشياء أخرى كثيرة نعيشها.. ويلمسها الفقراء والأغنياء جنبًا إلى جنب، وبالتالى تسرى فى المجتمع أمنيات بتحويل الخيال أو الحلم إلى حقيقة!».


ويقول الكاتب حسنين الصباغ: «الحكومة المصرية عندها قناعة أن النسيان سمة المصريين وتضعنا دائما في محكات الاختبار وتحت ضغط، فبين الحين والآخر ترسل لنا بالون اختبار في موضوع معين لترى وتتابع ردود الأفعال، فإن كان الصمت، سارت في غيها ونفذت ما أشاعته، وإن هاجت الجماهير تراجعت لحين تهدأ الأمور، وآخر بالونات الاختبار التي وضعتها حكومة المهندس شريف إسماعيل على لسان خالد حنفى، وزير التموين، أن هناك 9 ملايين بطاقة تموين سوف يتم إلغاؤها بداية من أبريل القادم ووضعت شروط لرفع هذه البطاقات من منظومة التموين ودست وسط هذه الشروط أن أي فرد يزيد مرتبه عن 1200 جنيه مصرى سوف يستبعد وعندما هاجت الجماهير وتظلم الناس من هذا الإجحاف لأن هذا المبلغ ضئيل جدًا وسط ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء التي أصابت الجميع، عاد وأعلن وزير التموين أنه لن يتم رفع أي بطاقة بسبب المرتب أو المعاش مهما بلغ».


كما اتهم البعض أعضاء بـ«مجلس النواب» بإطلاق عدد من بالونات الاختبار خلال الفترة الماضية، من خلال المقترحات التي تطرحها الحكومة، أو بعض نواب البرلمان، ويتم عرضها على الرأي العام، بهدف معرفة رد فعل الرأي العام عليها، قبل مناقشتها بمجلس النواب وتحويلها إلى قانون، من هذه البالونات التي أطلقها بعض النواب، والتي أدت لتراجعهم عنها بعد أن رأوا رد فعل الناس عليها، مشروع القانون الذي تقدم به النائب إسماعيل نصر الدين، من أجل فتح مدد الرئاسة، وزيادة مدة الرئاسة الواحدة إلى 6 سنوات بدلا من 4 سنوات.


وكذلك مشروع قانون تحصين قرارات الوزراء، الذي تقدم به النائب أحمد حلمي الشريف، والذي كان يهدف إلى حماية قرارات الوزراء، من أجل القضاء على ظاهرة  الأيادي المرتعشة، واتخاذ القرارات التي تدفع التنمية إلى الأمام.


ومنها المقترح الذي تقدم به محمد بدراوي عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، والخاصة بفرض رسوم رفاهية على الأغنياء، وقاطني القصور والفيلات، بواقع 10% من قيمة الفواتير الخدمية.


كما تراجع الدكتور عمرو حمروش أمين سر اللجنة الدينية في مجلس النواب عن عدد من مشروعات القوانين التي أعلن عنها، بعد رفضها شعبيا ومن جانب المجلس، منها، قانون تنظيم الفتوى، وقانون تنظيم الأزهر، وقانون تجريم ظاهرة الإلحاد، وقانون إنشاء المجلس القومي للرجل، وأغلبها قوانين مخالفة للدستور.


نفى الشائعة ثم تحويلها إلى حقيقة يقوض مصداقية الحكومة

من الشائعات التي تحولت إلى حقيقة رغم نفي الحكومة لها، شائعة مرض المهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء السابق، حيث نفت الحكومة ومجلس الوزراء والمهندس شريف إسماعيل نفسه شائعة مرضه، وقال: "أؤدى عملى على أكمل وجه، وأدعو ربنا بالتوفيق لإكمال الدور المكتوب لى، وأحقق كل ما يمكن أن نحققه لمصر فى المرحلة الحالية، وأتواجد فى مكتبى وخارجه، وهذه الفترة تشهد مرحلة تحول لمصر من دولة عادية لدولة أخرى لها قوة ومقدرات وقادرة على إحداث قفزات فى كل المجالات".


كما نفى مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء في بيان له، ما أشيع عن مرض رئيس الوزراء شريف إسماعيل، وأكد أنه تواصل مع رئاسة مجلس الوزراء بشكل مباشر، وأكد أن رئيس مجلس الوزراء، ‏يمارس عمله بكامل طاقته وبشكل طبيعي كالمعتاد، بحسب بيانه.


بعد ذلك اكتشف الجمهور، أن المهندس شريف إسماعيل مريض بالفعل، وأنه سافر للخارج للعلاج، وقد عاد وظهر عليه علامات المرض بوضوح، وقيل إن السبب الرئيسي في إعفاء المهندس شريف إسماعيل من منصبه وتعيين الدكتور مصطفى مدبولي هو حالته الصحية.


أيضا موضوع استيراد الغاز من إسرائيل، حيث نفت الحكومات المصرية المتعاقبة هذا الخبر منذ 2012 واعتبرته شائعه، لكن سرعان ما تحولت الشائعة إلى واقع، وتم الإعلان عن قيام الشركاء فى حقلى الغاز الطبيعى الإسرائيليين "تمار" و"لوثيان" بتوقيع اتفاقات مدتها عشر سنوات لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز الطبيعى إلى شركة "دولفينوس" المصرية، ورغم نفي المسئولين المصريين أي علاقة للدولة والحكومة بهذا الموضوع، وأكدوا أن هذا العقد هو بين القطاع الخاص في البلدين، إلا أن ذلك – رغم صحته- لم يقنع الكثير من المصريين الذين شككوا في مصداقية الحكومة.


عن هذا الموضوع يقول الدكتور حسن على، أستاذ الإعلام بجامعة المنيا، إن الشائعة لا تنمو إلا في غياب المعلومة، وطالما هناك حجب للمعلومات ستكون هناك شائعات، مشيرا إلى أن مشكلة الإعلام المصري أنه لا يكتب شيئا أو ينشره قبل تلقى التعليمات أو البيانات الرسمية من الجهات المعنية، وهذا يستغرق وقتا بين الحدث ونشره أو إذاعته، ما يعطى فرصة أكبر لانتشار الشائعات، لأنه كلما زادت المدة بين الحدث وبين صدور البيان تزيد الشائعات، كما أن هناك مشكلة في تدفق المعلومات لوسائل الإعلام، إضافة إلى مشكلة أكبر تتمثل في بطء تحرك الحكومة، وهذا البطء انعكس على حركة الإعلام المصري حكومى وخاص، بسبب عودة الصوت الواحد الذي أدى لهزيمة 1967.


وأضاف «على»، أن القضاء على الشائعات أو مواجهتها يتطلب اتخاذ عدد من الإجراءات منها، تدريب وإعادة تأهيل المتحدثين الرسميين أدوات الدولة في القضاء على الشائعات في الوزارات المختلفة، لإدارة الأزمات والتعامل مع وسائل الإعلام، ومعرفة قيمة الوقت وقيمة المعلومة ونشرها في الوقت المناسب وأن تكون دقيقة، وإصدار قانون تداول المعلومات الذي تضعه الحكومة داخل الثلاجة منذ خمس سنوات، لأن المستفيد الأول من إصداره هو الإعلام ثم المواطن العادي، وتوسيع مساحة الحرية للإعلام المصري التي ما زالت دون المستوى، مشيرا إلى أن الإعلام الخاص المملوك لرجال الأعمال أصبح ملكا أكثر من الملك، كما أن برامج التوك شو أصبحت مصدرًا كبيرًا للشائعات، لأن القائمين عليها غير مؤهلين وغير متخصصين وغير محترفين، وهذا يتطلب إعادة تأهيلهم.


وأوضح أستاذ الإعلام، أن الشائعة أصبحت أداة من أدوات الصراع السياسي والعسكري، سواء داخليا أو خارجيا، لأنها تنال من الروح المعنوية من الخصم، مشيرا إلى أنه في كل دول العالم يوجد جهاز تابع لجهاز المخابرات مهمته رصد الشائعات وتحليلها ودراستها، وإطلاق شائعات مضادة على قوانين أو قرارات تفكر فيها الدولة لاختبار الرأي العام  ومعرفة اتجاهات الجمهور عليها، لافتا إلى أن حكومات مصر المتعاقبة أسرفت في استخدام بالونات الاختبار، من خلال قيامها برمي الشائعة ثم نفيها، ثم تتحول بعد ذلك إلى حقيقة بعد أن اكتشفت أن ردة الفعل عليها ضعيفة، وهذا لعب بالنار، لأن هذا الموضوع يحتاج إلى متخصصين ومحترفين، لذلك نجد أن الحكومة تكتوى بنار الشائعة بعد ذلك، وتعمق استعداد الناس لتقبل الإشاعات، لذلك الشائعة لها وجوه متعددة وأصبحت من أدوات الصراع بين السلطة والمعارضة.


وعن وسائل ترويج الشائعات قال خبير الإعلام، إن شبكات التواصل الاجتماعي هي المصدر الأول للشائعات الآن، حيث أصبحت هذه الشبكات تدار في كل دول العالم بواسطة أجهزة المخابرات وبلغات مختلفة، حيث تحولت تلك الشبكات إلى ملعب كبير لأجهزة المخابرات العالمية، كما أصبحت هذه الوسائل بيئة خصبة جدا للترويج للشائعات والهجوم على الدول، كما تساهم برامج التوك شو كثيرا في نشر الشائعات وأيضا المقاهي، مشيرا إلى أن رصد هذه الإشاعات في العالم يتم عن طريق مراصد إعلامية ومراكز بحثية ومتخصصين في الرأي العام، أما في مصر فتتم عن طريق إدارة في الهيئة العامة للاستعلامات، وهذه الهيئة موجودة منذ حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت تضم متخصصين وخبراء على أعلى مستوى، أما الآن فقد رحل كل هؤلاء الخبراء، وتصدر المشهد أجيال جديدة غير مؤهلة وغير مدربة على رصد الإشاعات، وبالتالي الأرقام التي يتم الحديث عنها هي أرقام تقديرية.


ويقول الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي والاجتماعي، إن هناك كثيرًا من العوامل التي تؤدي إلى انتشار الشائعات منها غياب الشفافية، وعدم إصدار بيانات رسمية من الجهات المختلفة ترد عليها، وغياب القانون، مشيرا إلى أن الشائعات واردة وحقيقية في كل دول العالم، لكنها تزيد في حالة زيادة التحديات والصعوبات التي تواجه الدولة، وفي ظل مشاكل ملحة وعنيفة بين الدولة وبين خصومها، يكون من الطبيعى أن تكون الشائعة سلاحًا من أسلحة المتصارعين، لافتا إلى أن عدم معرفة الناس ما يجرى على أرض مصر تتحول الشائعة إلى مطلب إنساني، فعندما لا يجد الشعب إجابة عن الكثير من الإشاعات، فمن الطبيعي أن يلجأ إلى تصديق الإشاعة، وإلى محاولة فهم ما يحدث، ويلجأ إلى وسائل الإعلام الخارجية لمحاولة الحصول عن إجابة، وبالتالي كثير ما يملئ الناس هذا الفراغ في المعلومات بالشائعات، مؤكدا أن المسئول الأول عن وأد الشائعة في مهدها هي الدولة، لأنها هي التي تملك وسائل الإعلام، أما دور الشعب فيكون من خلال التعامل مع هذه الشائعة بوعي وثقة وعلم ومسئولية، لافتا إلى أن بالونات الاختبار هي نوع من هذه الشائعات، تستخدمه الحكومات لمعرفة رد فعل الشارع على قضية معينة تريد تمريرها، مثلما حدث مع زيادة تذكرة مترو الأنفاق، وهذا النوع من الشائعات لا يوجد إلا في الدول غير الديمقراطية التي لا توجد بها معارضة قوية تعبر عن الشعب، مؤكدا أن إطلاق الحكومة بالونات اختبار ثم نفيها ثم تحقيقها على أرض الواقع يؤدي الى تصديق الناس للشائعات وفقدان الثقة في الحكومة.


كيف حارب الإسلام «الشائعات الكاذبة».. وكيف واجهها الأنبياء؟

حذّر الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر السابق، في كتاب له بعنوان «الإشاعات الكاذبة وكيف حاربها الإسلام»، من خطورة الإشاعات، على الدولة وعلى المجتمع وعلى الدين، وأهدافها، وكيفية القضاء عليها.


وحذر من أن تصديق الإشاعات الكاذبة، يؤدي إلى الخسران، ويقضى إلى الهوان، وينشر العداوة والبغضاء بين الناس.


وقال إن الإشاعات الكاذبة موجودة منذ وجود الإنسانية، ينشرها الأعداء ضد من يعادونهم، لإضعافهم، أو لإنزال الهزيمة بهم، أو لإزالة نعمة منحها الله تعالى لهم أو لغير ذلك من الأسباب التي يراها كل خصم أنها تساعده على الانتصار على خصمه، ولعل أول من فعل ذلك هو إبليس لإغواء آدم عليه السلام.


واستعرض شيخ الأزهر في كتابه الإشاعات التي أطلقها أعداء الأنبياء عليهم من آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


منهم سيدنا نوح عليه السلام، الذي أشاع عنه قومه أنه لو كان نبيا حقا، لما كان مثلهم في البشرية، لأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية، وأن الذين اتبعوا نوحا عليه السلام، هم من سفهاء الناس وليسوا من عقلائهم، ومن فقرائهم وليسوا من أغنيائهم، وأشاعوا عنه أنه ما يريد بدعوته لهم سوى التباهي والتفاخر وطلب الرئاسة عليهم، وأنه فوق كل ذلك، هو إنسان مصاب بالجنون وبـ«الخبل» في عقله، ومقصدهم من كل ذلك أن يصدوا الناس عنه، وأن يجعلوهم لا يفكرون في اتباعه، لأنه بشر مثلهم.


ومن الإشاعات الكاذبة التي أشاعها زعماء قوم هود عليه السلام، لكي يصرفوا عامة الناس عن دعوته، وعن الاستماع إليه، زعمهم أنه إنسان سفيه، ضعيف العقل، يميل إلى الكذب، وأنه لم يأتهم بشيء فيه فائدة، وأن أصنامهم قد انتقمت منه فجعلته في حالة هذيان دائم، ومقصدهم من ذلك تنفير الناس منه، لكن هود عليه السلام حارب كذبهم بالصدق، وباطلهم بالحق.  


كما أشاعوا عن نبي الله صالح عليه السلام، أنه كان قبل أن يدعي النبوة إنسانا عاقلا سويا محل ثقتهم، أما بعد النبوة فقد اختلفت نظرتهم فيه، لأنه جاءهم بما يخالف ما ورثوه عن آبائهم، كما أشاعوا أن وجود صالح وأتباعه بينهم، أدى إلى انتشار القحط والأمراض فيهم، وأنه لا مفر من التخلص منهم، حتى يعود إليهم الخير والعافية.


ومن الإشاعات التي ألصقها فرعون وجنده بسيدنا موسى عليه السلام، أنه ساحر كذاب ومجنون وليس نبيا ويريد أن يخرج الناس بسبب سحره، وأنه جاء للإفساد في الأرض وليس لإصلاحها، وأنه جاء ليبدل دينكم الذي ألفتموه عن آبائكم وعن أجدادكم، وليأتي بدلا منه بدين آخر لا عهد لكم به، وأن موسى ما جاء بدعوته إلا من أجل الحصول على العظمة والسلطان عليهم، وأنه مجنون ومتكبر ومهين ولا يحسن الكلام أو النطق، حتى يصرفوا الناس عن دعوته، وحتى يبقى لهم ملكهم وسلطانهم وفجورهم.


كما أشاعوا عن سيدنا شعيب عليه السلام، أنه مجنون وأنه ليس أهلا للنبوة، وأنه كاذب في كل ما يقوله، وأنه لو كان صادقا لنزل بهم العذاب الذي هددهم به.


أما الإشاعات التي أطلقها الأعداء من مشركي قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم فكثيرة منها، أنه مجنون وكاهن وساحر وشاعر، وأنه لم يأت بمعجزة تدل على صدقه، وأن الإيمان به سيؤدي إلى أن يتخطفهم الناس، ما أشاع عنه زعماء اليهود في المدينة أنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بالمعجزات التى تؤيده والتي أخبرت عنها كتبهم، وقصدهم من ذلك التشكيك في صدقه وفي نبوته، كما زعم أحبر اليهود أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى عبادته دون الله، كما زعم المنافقون أنه صلى الله عليه وسلم أخذ من الغنائم ما ليس من حقه وأنه لا يعدل في قسمته، لكن القرآن الكريم رد على هذه الإشاعات الكاذبة التي أشاعها الجاهلون والحاقدون والمغرورون بما يبطلها ويزهقها، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ويزيد المعاندين والجاحدين رجسا على رجسهم.


وذكر الكتاب عدة وسائل القضاء على الإشاعات الكاذبة منها، التثبت من صحة ما يقال وما يسمع والتأني في الحكم على الأشياء، ورد الأمور إلى مصادرها الأصلية، وكتمانها وعدم الحديث عنها، ومواجهتها بالحقائق الثابتة وبالأدلة القاطعة والمنطق الحكيم لفضح المتفوهين بها، وغرس الروح المعنوية العالية في الأمة، وتغليب حسن الظن بالناس.


هل حارب المسلمون أعداءهم بالإشاعات؟ هذا السؤال أجاب عنه الدكتور محمد سيد طنطاوي في كتابه بالقول «إن شريعة الإسلام لم تبح لأتباعها أن يحاربوا أعداءهم بالإشاعات الكاذبة، لأن الكذب لا يليق بالمسلم، وإنما أباحت لهم أن يحاربوا أعدائهم بالأساليب الشريفة التي تزلزل أقدامهم، وتفرق جمعهم، وتلقي الرعب والفزع في قلوبهم، وتردهم على أعقابهم خاسرين، أباحت لهم في أوقات الحروب أن يستعملوا الحرب النفسية التي تقذف الوهن والخوف والفشل والتنازع في نفوس الأعداء، فإن الحروب خدعة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف».


وقال في الخاتمة: «وقد دلت حقائق التاريخ، وتجارب الأيام، أن الإشاعات سلاح خطير، يمزق الأمم، ويفرق الجماعات، ويجعل الأفراد يسيء بعضهم الظن ببعض، ويؤدي إلى شيوع الكراهية وعدم الثقة بين الحاكمين والمحكومين، كما دلت وقائع الأيام على أن أسرع الأمم تصديقا للإشاعات الكاذبة هي الأمم الجاهلة، التي لا تحسن تقدير العواقب، ولا تضع الأمور في مواضعها الصحيحة، لأنها لسذاجتها لا قدرة لها على النقد والتمحيص، وقد تحمل الإشاعة كذبها في ظاهرها وباطنها، ولكن السفهاء لا يعرفون ذلك، أو قد يعرفون ولكنهم لسوء ثباتهم ومقاصدهم يحرصون على نشر تلك الأراجيف والأكاذيب، أما الأمم العاقلة الرشيدة، التي يكثر فيها عدد الأسوياء الشرفاء الأطهار، فهي بعيدة عن تصديق الإشاعات».