ads
ads

المظله الإنسانية.. الحلقة الـ«7» التفكر

الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان


معظم الناس يظنون أن "التفكر يقتضي من الإنسان أن يعتزل المجتمع، ويقطع علاقاته بالناس ثم ينسحب إلى غرفة خالية، ويضع رأسه بين يديه، وترى أنهم يصنعون من التفكر قضية صعبة جدًّا، تجعلهم يخلصون إلى القول بأن الأمر سمة خاصة بالفلاسفة فقط، مع أن القضية أبسط من ذلك بكثير، فإن الله تعالى يدعو جميع الإنسانية ليتفكروا ويتدبروا؛ يقول جل وعلا:
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأْ لْبَابِ}.
ص: (29).
ويمتدح الله تعالى عباده الذين يقودهم تدبرهم وتفكرهم إلى إدراك الحقيقة، إن الإنسان الذي لا يبذل جهده في التفكر والتدبر والتذكر يعيش في حالة دائمة من الغفلة، وحالة الغفلة ـ التي يعيشها أولئك الذين لا يتفكرون بما توحيه كلمة الغفلة من التجاهل مع عدم النسيان، وهذا الأمر عظيم وخطير، ومؤداه لذلك حذرنا القرآن الكريم أن نكون من الغافلين، قال تعالى:
{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}.
الأعراف: (205).
وقال عز وجل: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأْمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
مريم: (39).
ويبين الله تعالى زيغ الذين يتبعون ما ألفوا عليه آباءهم إتباعًا أعمى دون أن يفكروا بما يحمله التقليد من ضلال، ولو نوقشوا في أمرهم لأجابوا فورًا بأنهم مؤمنون بالله، لكن بما أنهم لم يعقلوا فيتفكروا ويتدبروا ويتعظوا ـ فإن إيمانهم هذا لم يؤد بهم إلى الصلاح.

إن عقلية هؤلاء البشر تظهر بوضوح من خلال الآيات التالية:
{قُل لِّمَنِ الأْ رْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}.
المؤمنون: (84: 90).
من أجل أن يعود التفكر بالنفع على الإنسان ويهديه إلى جادة الحق ـ يجب عليه أن يفكر دائمًا بطريقة إيجابية.

هناك فرق كبير بين مَن ينظر إلى شخص حباه الله بحسن الهيئة من منظار عقدة النقص الناشئة عن عدم التكافؤ في المظهر الخارجي بينهما، فيشعر بالغيرة ويؤدي به تفكره إلى ما لا يرضي الله، وبين مَن يسعى إلى مرضاة الله فينظر إلى هذا الشخص على أنه جمال من خلق الله، ويعتبر حسن هيئته برهانًا على كمال الله في خلقه، فيشعر بسعادة غامرة ويدعو الله أن يزيد هذا الإنسان جمالاً في الآخرة، كما يدعو لنفسه أن يرزقه الله الجمال الأبدي في دار الخلود، ويفهم أن الإنسان لا يمكن أن يكون كاملاً في الحياة الدنيا؛ لأن حياتنا هذه خلقت غير كاملة كجزء من ابتلائنا فيها، وبذلك كله يزيد توقه وتطلعه إلى الفوز بالجنة. 

وهذا كله مثال واحد على الإخلاص في التفكر، ولسوف يعرض للإنسان الكثير من الأمثلة المشابهة في حياته، وبخاصة وأنه في امتحان دائم ليرى إن كان سيسلك سلوكًا حسنًا ويفكر بأسلوب يرضي الله.

إن نجاح الإنسان في امتحان التفكر، وكون التفكر سيعود عليه بالنفع في الآخرة ـ يعتمد على التدبر والاعتبار من الدروس والتحذيرات التي يستخلصها أثناء تفكره، ولذلك فإن من الضرورة بمكان أن يتفكر الإنسان بصدق دائمًا، قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ}. غافر: (13).

اللهم ارزقنا الفكر الراشد السديد.

تحياتى لكم جميعا.. الدكتور أحمد على عثمان