ads

المظلة الرمضانيه الحلقه الـ19.. الصوم والصحة

الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان



1- أنّ الفائدة الصحية للصوم، تتجلى في مظاهر متنوعة كثيرة، ضجت بها الكتب، وعرفها أقدم الأطباء.

2- يمكن أن نقول أن الصوم يعكس على الإنسان فوائد نفسية وجسدية ناتجة من الإمساك عن المباشرة الجنسية، والإمساك عن الأطعمة والسوائل.

3- الصوم، ذو تأثير بالغ، في تخفيف الأعراض، التي تنتاب الأعضاء الظاهرة والباطنة، وتحويل محمود في حالة المريض، ينعكس منه إلى التخلّص مما أصابه من الآلام والانحرافات، حصة الروح من هذا التحويل، لا تقل قيمة عن حصة الجسم.

4- إ نَّ الصيام، مع أنه من الشؤون الخاصة بالأديان، من قدم الإنسان ولكن لم يكد ينتشر تاريخ الطب بين النّاس، حتى علموا أنَّ الصيام قد اعتبر ـ في كثير من الوقاية من الأمراض ـ و من مقومات الصحة الجسمانية، كلما علموا أنَّه من عهد (ابقراط) عامل قويّ من العوامل المنقية للجسم، من سموم الأغذية، فإن الموادّ الحيوانية، التي نتناولها، بشراهة، تحتوي على مواد دهنية، ومواد رباعية العناصر، لا تطيق البنية البشرية، أنْ تختزن مقداراً يزيد عن الحاجة منها، وإطلاق الحرية للإنسان، يجعله يتناول كلما يقع تحت يده، وكثيراً ما يصاب ـ بسبب هذه الحرية ـ بآفات مرضيّة، تكون وبالاً عليه.

5- قد استفاد الطب، من ناحية الصوم، في مجالات كثيرة عبر الزمان، وفى الطب الحديث عندما تكون بعض الأشعة أو التحليلات أو العمليات الجراحية يخضع المريض لعدد من الساعات الصوم.

6- الصوم، يستعمل طبياً، في حالات كثيرة، ووقائياً في حالات أكثر، وإنّ كثيراً من الأوامر الدينية، لمن تظهر حكمتها، وستظهر مع تقدم العلوم، فلقد ظهر أنَّ الصيام، يفيد طبياً في حالات كثيرة، وهو العلاج الوحيد في أحوال أخرى، فالعلاج يستعمل في اضطراب الأمعاء المزمنة، والمصحوبة بتخمّر ويستعمل في زيادة الوزن، الناشئة من كثرة الغذاء، وكذلك في زيادة الضغط، أما في البول السكري، فلما كان قبل ظهوره، يكون مصحوباً بزيادة في الوزن يريح جميع الأجهزة، والأنسجة، والخلايا، والغدد، من الانهماك في العمل المتواصل، وبذلك يقيها من الضعف، والاحتقان، والموت الباكر، والمرض المزمن، وزيادة على أنَّ الصوم ـ بذاته ـ يعتبر من عوامل طول العمر، والنشاط الدائب، ويخلّص الإنسان من الخمول، الذي يلازمه على أثر التخمة.

7- انّ النظر إلى فوائد الصوم من زاوية طبية بحتة يجعلنا نصل إلى جملة من الحقائق الطبية التي أقرها الطب الحديث، إنّ الصوم يُطلب طبياً في حالات كثيرة سواء للمعالجة أو للوقاية من عديد من الأمراض، وهو العلاج الوحيد في بعض الأمراض، فهو يستعمل كعلاج في إضطرابات الأمعاء المزمنة والمصحوبة بتخمّر والمسبب للغازات والنفخة وفي زيادة الوزن الناشئ من كثرة الغذاء وفي حالات إرتفاع الضغط، وهو علاج نافع في حالات البول السكري الذي يكون مصحوباً غالباً (قبل ظهوره) بزيادة في الوزن، ولا يزال الصوم مع تحديد أنواع الغذاء أهم علاج لهذا المرض.

8- إنّ الشراهة، تفتك بـ (المعدة)، وتحطم (الكبد)، وترهق (القلب)، وتسبب تصلب (الشرايين)، (الذبحة الصدرية)، وارتفاع (ضغظ الدم) و (البول السكري)... وأنّه لا وقاية من هذه الأمراض، ولا علاج لها ـ إذا أصيب بها الإنسان ـ إلاّ الحد من شهوة الأكل، وعدم الإسراف في الطعام والشراب .

إنّ الإسراف، هو الحماسة غير المتزنة، التي تصبح نوعاً من الهوس، فالإسراف في أي شيء، إنّما هو من قبيل الهوس، أو الجنون، فيجب مراجعة النفس، فيما نحن مقدمون عليه، فلا نغلو فيه مهما كان.

9 - لماذا لا نتمثل بالطبيعة، فكل ما خلقه الله، نجدها معتدلاً في غير إسراف، فالليل يعقب النهار، إذا كان النهار خلق للعمل، فالليل خلق للراحة فلا بد من الراحة بعد التعب ولابد للصوم بعد الأكل.

علينا أنْ نقي أنفسنا شر الإسراف في أي شيء، وإنّ الإنسان يميل ـ بطبيعته ـ إلى الإسراف في شهواته، والإسراف، يفضي إلى الانحلال، فعليه أنْ يروِّض نفسه على الاتزان، فعلى الإنسان أنْ يمتنع عن الإسراف في التغذية، فترة تستهلك رواسب التخمة، حتى يستريج الجهاز الهضمي، فيستطيع استعادة نشاطه للوجبة التالية، دون أنْ يدركه الإعياء والانهيار.

10- إنّ أقلّ فائدة وقائية يكسبها الصائم، هي الوقاية من السمن وأخطاره، فالإسراف في الأكل، يؤدي إلى السُمنة، وكلما زاد عن الوزن الطبيعي للجسم، يكون ثقلاً على الأعضاء الرئيسية، التي تقيم الكيان الجسمي.

إنّ القلب، الذي هو مضخة ماصة كابسة، يرفع الدم من هنا، ليدفعه إلى هناك، وهو عضو في الجسم، عليه أنْ يؤدي عمله المستمر، الذي لا ينقطع، ولا شك أنَّ القلب يقوم بالخدمة لجسم يزن ثمانين كيلو جراماً، أقل جهداً ورهقاً من زميله، الذي يخدم جسماً، يزن مائة كيلو.

وليت الأمر في جسم الإنسان، يقف على القلب وحده، ولكن هذا الجهد، يصيب باقي أجهزة الجسم، فـ (الكلى) و (الكبد) و (البنكرياس) في جسم يزيد على مائة كيلو ـ مثلاً ـ تحمل عبئاً ثقيلاً، وكلما خفَّ الحمل، نضمن للجسم السلامة، أطول مدة ممكنة.

11- إنّ الإنسان، كثيراً ما يصاب ببعض البؤرات الصديدية، التي تتكوّن داخل الجسم، وتصب إفرازاتها السامة في الدم، غير أنّ الإنسان لا يشعر بها، إلاّ إذا تضاعف ذلك الإفراز، فإذا بالإنسان يمرض فجأة، بأمراض قد يكون أقلها التسمّم... والصوم، خير وسيلة لتجنب الإصابة بمثل هذه البؤرات، إذ عندما تقل الموادّ الغذائية في الجسم ـ والأجهزة الداخلية تدبُّ في الاستهلاك ـ تبدأ أول ما تبدأ، باستهلاك الأنسجة الداخلية، ومنها الخلايا الصديدية، التي ضعفت نتيجة الالتهاب.

12 - كما أنَّ الصوم يذيب الأورام الصغار، في ابتداء تكونها، قبل أنْ تستفحل... ويمنع تكوّن الحصوات والرواسب الجيرية... ويتيح الفرصة لجهاز الهاضمة المرهقة، حتى يستريح قليلاً، فلا يصاب بالضعف أو الالتهاب، ويقي الإنسان من أمراض (الكلى) ، و (المفاصل) ، و (النقرس)، ويرفّه عن القلب، ويمكّنه أنْ يتنفس، وينبض بهدوء، كيلا يصيبه (التوّرم) أو (تصلب الشرايين ) .

13- يعكس تنشيط القوى الفكرية، وإيقاظ الذكاء، وإرهاف الذهن ويقيه من الترهّل والكسل والصوم يعكس علاجاً لاضطرابات الهضم، والبدانة، وأمراض القلب، والكبد، والكلى، والبول السكري، وارتفاع ضغط الدم كما أنّ الصوم، يقلل كمية الماء في الدم، وينظم إفرازات الغدد، فيشفي الأمراض الجلدية، ويذيب الشحم الزائد، ويقضي على السموم.

لا شك في أنَّ الصوم، من الوسائل الفعّالة، في التخلص من الميكروبات، وبينها ميكروب الزهري، ولما يتضمن من إتلاف للخلايا، ثم إعادة بنائها من جديد.

14 فالصوم بذلك يكون علاجاً نافعاً، لا يزال الصيام، مع بعض الملاحظات في الغذاء، أهم علاج لهذا المرض والصيام يعتبر علاجاً لالتهاب الكلى الحاد والمزمن، وأمراض القلب والصيام مدة شهر في السنة، يعتبر خير وقاية من كل هذه الأمراض.

15- إذا كان التعب ـ الذي يأكل الأعمار ـ ناجماً من القلق، والتوتر، والثورات العاطفية، فلا يمكن مكافحته، إلاّ عن طريق التوسل، بالهدوء والاسترخاء
والصوم أفضل وسيلة لتخفيف القلق، والتوتر، والثورة النفسية - إنّه يرفع المستوى الفكري للإنسان، فوق مجال المادة، والحياة، حتى لا تلح به المصائب والهموم.

16ـ إنّه يخفض ضغط الدم،و يخفّف اللهب المسعور، الذي يطارد الإنسان.

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد، فليقل: إنّي صائم ) .

17 - يعلمنا طريقة الاستفادة الكاملة من رياضة الهدوء والاسترخاء فالأمراض الناشئة من القلق، والتوتر، والثورة النفسية، لا دواء لها سوى الصوم.

18 - أغلب الانفعالات غير المقبولة، تؤدي إلى توتر الأعصاب، وأول مناطق هذا التوتر، مجموعة العضلات، في مؤخرة العنف، وعضلات الطرف الأعلى من (المريء) التي تشعرك بالغُصة، ثم أسفل (المرئي) ـ وهذا أخطر ـ إذ عندما تأخذ عضلات (المعدة) في الانقباض، فإنّك تشعر بضغط ثقيل كريه في الداخل، حتى يبلغ درجة لا تحتمل ومثل هذا النوع من تقلص العضلات، يمكن أنْ يحدث في أي جزء من المصران الغليظ وكثير ممن يشكون آلاماً تشبه آلام (المرارة) ليسوا مرضى قط، وإنّما متبرمون بحياتهم، وهذا التبرّم، يحدث ذلك الانقباض في (المصران) ومن ثم الآلام وما يقال عن أعضاء البطن، يقال عن أعضاء الرأس، فـ (الصداع) الذي يحدث لهؤلاء، المتبرمين، سببه: أنّ (الأوعية الدموية) تنقبض بشدة من آثار عنيفة، فتحدث آلام وثلث أمراض الجلد والصدر، ناتجة عن هذا التوتر العصبي و للخلاص من هذا البلاء بالصوم، الذي فرضه الله شهراً في السنة، يحقق لنا الاسترخاء، من هذا التوتر المهلك.

فالصوم، يعلّمنا: الصبر، والسماحة، والكلم الطيب، والرضا عن الله سبحانه

ـ والصوم، يعلمنا: كيف نتقبل المصائب بصبر جميل، والصوم، يعلّمنا: كيف نتسامح مع النّاس، ونكافح المشادّة بالرفق، والعقد والأزمات، والصوم، يعلّمنا: كيف نقول الكلمة الطيبة، دون أنْ نتنازل إلى الابتذال.

19 - إنّ أكثر الكوارث التي تدهم النّاس، نتاج طبيعي عن الهوس الارتجالي ، التي يفعلها ، تلبية للطيش، ولو فحصنا أكثر المحاكم والسجون في ظل الحكومات الصحيحة، لم نجد فيها من يساق إليها بدافع عقله ـ إلاّ إذا كانت الحكومات منحرفة تضطهد المفكرين ـ وإنّما هو الطيش، التي يزج بالألوف في المحاكم والسجون.

20 - وإذا كانت النفس، مصدر الويلات والنكبات، التي تنغّص حياة النّاس، فما أجدر الإنسان بأنْ يروض نفسه ـ قبل أنْ يدخل في الحياة المشتركة ـ حتى يستريح من غائلة هذا العدو الداخلي، ويتفرغ لمكافحة أعدائه الخارجيين في جبهة واحدة.

والنفس، كالأرض ـ أو ليست من الأرض؟ إنْ أهملت تنبت الحشائش والأشواك، وإنْ روعيت، تنبت كلما حلى وطاب، فإذا تركت النفس، تعبِّر عن طاقاتها في الشهوات، وإنْ روضت تعبِّر عن طاقاتها في الملكات.

21- إذا روت النفس، يصح الجسم، ويستريح الجسد، أو ليس المجرمون أكثر النّاس شقاءً ؟ أوَ ليس الصالحون، أقل النّاس شقاءً ؟ فالمجرم ـ وإنْ قلت مصائبه ـ يعيش في قلق وارتباك، يحسب كل صيحة عليه، ويحسب كل ضربة خسارة، بينما الإنسان الصالح ـ وإنْ كثرت مصائبه ـ يعيش في ثقة واطمئنان، يعلم أنّه لا يصيبه إلاّ ما كتب الله له، ويعلم أنّه لا يصيبه مكروه إلاّ كتب له به عمل صالح فالصوم يرود النفس.

22- وإذا اطمئنت النفس وهدئت، واطمأنت الأعصاب وهدئت، فاستطاعت الأجهزة العاملة في داخل الإنسان، أنْ تؤدي واجباتها، بتوفر من الأمراض الكثيرة الناجمة عن اضطراب عمل الأجهزة الداخلية في الإنسان، وإذا قلقت النفس، وارتبكت الأعصاب، واضطربت الأجهزة الداخلية، فلم تطق أداء واجباتها الرتيبة بانتظام، وفسد الجسم كله.

إنّ أكبر أخطاء الأطباء، أنّهم يحاولون علاج الجسد، دون النفس ، في حين أن النفس والجسد، وجهان لشيء واحد، فلا ينبغي أنْ يعالج أحد الوجهين على حدة والصوم يعالج الجسد والنفس.

23 - القلق إنّه الداء الذي يصيب أكثر النّاس، ولا تزداد الحضارة توسعاً إلاّ ويزداد النّاس قلقاً.

فإنَّ الخوف، يسبب القلق، والقلق يسبب توتر الأعصاب، واحتداد المزاج، ويؤثر في أعصاب المعدة، ويحيل العصارات الهاضمة، إلى عصارات سامة، تؤدي في كثير من الأحيان إلى قرحة المعدة إنّ قرحة المعدة، لا تأتي مما تأكله، ولكنها تأتي مما تأكلك - كثيراً ما تنشأ قرحة المعدة نتيجة لتقلّب العاطفة، واضطراب الإحساس.

والصوم، يستطيع أن يعالج ذالك كله لأنّه يدع الإنسان الجائع الذي يجد ألوان الطعام الشهي يتركه ويتضوّر من الجوع، والإنسان العطشان، الذي يرى السلسبيل الزلال يترقرق أمامه، ويلوي عنه عاطشاً، والإنسان الشبق، الذي ينال الجنس في أجلّ مظاهره، ويتراجع عنه ملتهباً، لإرادة الله وحده، فيستقر في قلبه أنّ الكون كلّه يجري بإرادة الله سبحانه، وأنّه جزء من هذا الكون، فلا يطيق أنْ يكسب خيراً ولا يدفع شراً، إلاّ عندما يريد الله، وإذا أراد الله شيئاً فلا راد لقضائه، فلماذا يقلق ويضطرب؟ .

وهكذا يذكي الصوم ـ في الإنسان ـ الاستسلام لله، وإذا استسلم الإنسان لله، غمره السلام والاطمئنان.

24 - إنّ الاعتدال في كل أمر، وسيلة للاتزان الحيوي، وصلاحية البقاء، وقد أباح الله تعالى للغرائز الجنسية أنْ تنال رغباتها بالأسلوب المشروع، في حدود (المُباح) وأما الاستجابة المطلقة بها، فإنّها تجعل المرء أسيراً متوتر الإرادة، بحيث لا يجد طاقة تساعده على مباشرة الأمور الجدية، بقوة وحماس.

فضلا على أنَّ الانسياق مع الغرائز، يضعف حيوية الجسم، وقدرته على الإخصاب والإنجاب.

وقد ألفت الله سبحانه الأنظار إلى هذا الاتجاه، حيث أكد على أنَّ الهدف من الغرائز الجنسية، ليس هو مجرد التمتع الرخيص، وإنّما هو حفظ النسل البشري، وامتداد الحياة، ثم التجاوب النفسي السامي ـ بين الوالد والولد ـ على أساس المودة والرحمة.

فكان الاتصال الجنسي، محظوراً أثناء فترات الصيام ـ كما كان ممنوعاً خلال فترة الحيض ـ ففي هذا المنع، إشعار للإنسان بأنّه سيد شهواته، وليس عبدها المطيع، وتحديد الإسراف، الذي قد ينساق إليه الكثيرون، فيصابون بأمراض لا قبل لهم بها زيادة على أنَّ طبيعة الصوم، تحدّ من اندلاع الشهوات، التي قد تثيرها عوامل خاصة، ثم لا تطيق السيطرة عليها، ولهذا كان الصوم وجاءً لشبق العزوبة في منطق الرسول الحكيم صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطعه فعليه بالصوم، فإنّه له وجاء ) .

فالإسراف في الاتصال الجنسي، ينهك الجسم كما أنّ الإسراف في الكبت عن الجنس يبلّد الإنسان، وقد قرر علم الوراثة إنّ الذكر إذا أسرف في الابتعاد عن الأنثى، وإنّ الأنثى إذا ابتعدت عن الذكر، لم ينتج إلاّ شراً، والتجاوب التي أجريت على ذكور الحيوانات، فأزيلت أعضائها التناسلية، وكانت نتيجتها أنْ تبلّدت حياتها، وتغيرت معالمها، فلا هي ذكور، ولم تصبح كالإناث... ومثلها الإناث، فقدت أنوثتها، دون أنْ تصبح كالذكور.

ومن اليسير ملاحظة المرأة في سن اليأس، وكيف تضطرب أعصابها ونظرتها إلى الحياة؟... وكتلك النساء العوانس، والكهول العزاب
فكل من يستطيع الباءة عليه أنْ يسارع إلى الزواج، حتى يبقى في مستواه اللائق به، وكل من لا يستطيع الباءة، عليه أنْ لا يسعِّر لهب شهواته من الداخل بالطعام الرتيب، وهو يكبتها من الخارج، حتى ترتبك أعصابه، وإنّما عليه أنْ يُهدأ غرائزه، بالصوم حتى لا يضر به كبتها ـ كما أرشد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

25 - يؤكد الطب: إنّ الجسم لا يستطيع الاستغناء عن الماء، أكثر من ثلاثة أيام، ولا يستطيع الاستغناء عن الطعام، أكثر من بضعة عشر يوماً
و الهنود، الذي قد يطول صومهم أكثر من هذه المدة، فإنّهم يتناولون فيه الماء وعصير الفواكه، الذي يساعد على طول فترة الصيام، ومن هذا النوع، كان صيام غاندي الزعيم الهندي، الذي كان يتوسل بالصيام، لإنهاض حركته السلبية ضد الاستعمار.

والحكمة، التي رعاها الإسلام، من الإمساك عن الطعام والشراب، تقوم على أساس: أنَّ معظم النّاس، يفرطون في التغذية، إلى درجة تعرضهم لكثير من الأمراض الفتاكة ومن المعروف إنَّ غالب الأمراض، التي تصيب الجسم البشري، ترجع إلى اختلال الجهاز الهضمي.

إن معظم النّاس، يحفرون قبورهم بأسنانهم لأن الأغلبية الساحقة من النّاس، يأكلون ثلاثة أمثال، ما تحتاج إليه أجسامهم.

ففى القرآن الكريم (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) و في الحديث: (المعدة بيت الداء) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاءً، شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) ، ومعنى الثلث لنفسه أنّ (المعدة) إذا امتلأت، ضغطت على الحجاب الحاجز، فضغط ـ بدوره ـ على القلب، فعاق حركته، ثم ضغط على الرئتين فعاق حركة التنفس.

وبعد أنْ وصل الطب، إلى أنَّ دستور الحكمة ورأس العلاج، هو عدم الإسراف في الأكل والشرب، وقررت أبحاث الطب العلاجي والوقائي أنّ أعظم قاعدة لحفظ الصحة، هي العمل بالآية الشريفة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) .

26 - إتاحة الراحة للجهاز الهضمي، إنّ طاقة الأجهزة الداخلية ـ في الإنسان ـ كثيرة هائلة، ولو عرف طريقة استخدامها على ضوء الواقع، لعاش طويلاً، ولكن الإنسان حيث يحاول توفير القدرة عليها، يوفر الثقل عليها، فيحطمها، لأنَّ الإفراط ـ في كل شيء ـ لا يختلف عن التفريط، والزائد كالناقص، وللجسم حاجة محدودة إلى التغذية، التي لو زادت أو نقصت عرضته للانهيار.

27 - في الصوم تحدث ظواهر خفية، فإن سكر الكبد سيتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد وبروتينات العضل والغدد وخلايا الكبد وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب، وأنّ الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا.

28- إنّ الصائم عند إفطاره، يقبل على الطعام بشهية وسرور نفسي كبير، ونتيجة لما يكون عليه من جوع، فإنّه يستجمع كل طاقاته وحواسه ويصب تفكيره في طعامه، ولهذا فائدة صحية كبيرة تقلل من الارتباكات المعدية وتزيد في قدرة الجهاز الهضمي على هضم الطعام وفي قدرة الجسم وخلاياه على "تمثل" الغذاء والاستفادة منه وهذا ما لا يتوفر في حالات الطعام العادية.

29- إنّ الطمأنينة وراحة النفس والروح التي يحملها الصوم ويوفرها للصائم، تنعكس إيجابياً على صحة الجسد وراحته نشاطاً وحيوية وتحملا، نظراً للحالة النفسية من تأثيرات مباشرة على الجسد ووظيفة أعضائه ونشاط أجهزته كما أن إراحة الجسد وتخليصه من كثير من الشوائب والسموم والبقايا والرواسب المضرة، ينعكس إيجاباً على الحالة النفسية. وفي هذا فائدة مزدوجة للصوم.

إنّ الصوم بما يتطلبه من تنظيم للوجبات وبما يوفره من حمية غذائية يشكل الأساس لحماية وحفظ المعدة والجهاز الهضمي من الاضطرابات والآفات والتلبك، وهو حافظ للجسم من العلل الناشئة عن امتلاء المعدة وإفراط الطعام ككثافة الدم والاحتقانات الدموية في الرئتين والكبد والمفاصل خاصة.

"فالمعدة بيت الداء، والحمية أصل الدواء"، كما يقول الحديث النبوي الشريف

30 - يخطئ الكثيرون من الناس، بالاعتقاد إنّ العبادات بأنواعها التي فرضها الدين، إنما فرضها لذاتها وليس لغرض منها، في حين أنّها فرضت لتكون وسائل تؤدي إلى انعكاس غايات إنسانية واجتماعية فاضلة ونبيلة، فهي التي تدرب الإنسان وتربيه على القيم الفاضلة وتحد سلوكه بحدود الله، فليست هي غاية بذاتها.

وهذا تماماً أمر الصوم، فمن الخطأ التام الاعتقاد أنّ الله سبحانه فرضه ليجوع الإنسان ويعطش، فللصوم فوائده الروحية والنفسية والتربوية والاجتماعية العديدة ولعل الفوائد الصحية الجسمانية للصوم لا تقل أهمية عما سواها من الفوائد الجمّة لهذه الفريضة المباركة.

إنّ الإنسان الحديث، أكثر حاجة، من وجهة طبية صحية إلى الصوم الدوري نظراً لانتشار الاضطرابات الهضمية والنفسية وانتشار الأمراض والآفات وكثرة استعمال الأدوية والأغذية الكيماوية المصنعة، حيث يساعد الصوم الجسم في التخلص من هذه الآفات وآثارها وترسباتها.

إنّ هذه الفوائد الصحية الجلّة للصوم، كانت سبباً لإنشاء مصحات عديدة في العالم يقوم العلاج فيها على الصوم كعلاج انعكاسي رئيسي.

وللصوم أيضاً قواعد وأصول يجب احترامها حتى تتحقق الأغراض المرجوة منه.

من المعروف طبياً أنّ الأمعاء تمتص الماء المحلى بالسكر في أقل من خمس دقائق فيرتوي الجسم وتزول أعراض نقص السكر والماء فيه، في حين أنّ الصائم الذي يملأ معدته مباشرة بالطعام أو الشراب يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات حتى تمتص أمعاؤه ما يكون في إفطاره من سكر، وعلى هذا تبقى عنده أعراض ذلك النقص ويكون حتى بعد أن يشبع كمن لا يزال يواصل صومه.

وهذا يكشف لنا حكمة التوجيه النبوي الكريم في الإفطار على التمر أو الماء حين قال (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنّه بركة، فإن لم يجد فالماء فانّه طهور).

- وجبة السحور: ينصح بأن تكون وجبة السحور من المأكولات الخفيفة، كذلك فلا ينصح بالنوم بعد تناول السحور مباشرة، ويفضل قضاء فترة لا تقل عن الساعة بعده قبل المباشرة بالنوم.

- ومنعاً للعطش الذي يشتد في أيام الحر ينصح بالإبتعاد عن الموالح والمقالي والحوامض وخاصة في السحور، وينصح بتناول الشاي.

تحياتى للجميع بصوم وصحة، وعافية، وقبول من الله.. الدكتور أحمد على عثمان