ads

كيف غابت الصحافة عن زيارة بن سلمان؟

محمد على ابراهيم
محمد على ابراهيم
محمد على ابراهيم


استقبلت القاهرة ضيفًا كبيرًا هو الأمير محمد بن سلمان- ولى عهد السعودية.. كالعادة اهتم الإعلام بتغطية كل شاردة وواردة لملك المستقبل.. وتنافس الصحفيون على وصف إنجازات الأمير فى تخليص بلاده من الأفكار المتطرفة وإدخال أفكار جديدة على العقلية الحاكمة التى تيبست طويلاً بفعل فتاوى وإرهاصات ساهمت فى خروج متطرفين.

خرج بعض الزملاء عن سياق المنطق المقبول فى الإشادة بالضيف.. ظهرت عناوين أصابت الوسط الصحفى بالغثيان من تدن فاق فى نفاقه وزلفاه ما يمكن أن يقال عنه فى السعودية نفسها نسوا أن الملك سلمان نفسه سجن صحفيًا أراد مجاملته بعد القبض على عدد من الأمراء الكبار ورجال الأعمال ليحاكموا بتهم الفساد فكتب عنوانًا بصحيفته مستوحيًا القرآن قائلا «لمن الملك اليوم»، فما كان من خادم الحرمين الشريفين إلا أن سجنه لأنه أضفى عليه صفات إلهية ما ينبغى أن تكون لبشر…

لو تأملت التحليلات والآراء والمانشيتات أثناء زيارة الثلاثة أيام لتأكدت أن صحافتنا «فى العناية المركزة».. ما زلنا فى مرحلة المديح الفج … ومتانة العلاقات الثنائية.. والتعاون فى مواجهة قوى الشر… ناهيك عن قصائد المديح لمشروع «نيبوم» الذى سيقام فى جنوب سيناء… وبالمناسبة هو مشروع عملاق ولا يعنى تخلى مصر عن أرضها للسعودية وهو ما فشل فى تسويقه معظم رؤساء تحرير الصحف القومية والإعلام الحكومى عمومًا… بريطانيا فى الثمانينيات أنقذتها الاستثمارات اليابانية والكورية والصينية على أراضيها… زرت عام 1998 مصانع سيارات عالمية آسيوية تصنع فى المملكة المتحدة ليسهل توزيعها فى أوروبا.. فى ميناء بريستول خصصوا خطا لشحن وتفريغ معدات السيارات الآسيوية.. وكذلك الحال فى ألمانيا وفرنسا.. المساحات الشاسعة التى تمنحها الصين لمصانع الإلكترونيات اليابانية والأمريكية ومصانع قطع الغيار للسيارات الكورية والألمانية إضافةً إلى وادى التكنولوجيا الذى يتم فيه تجميع كل أجهزة الكمبيوتر العالمية ويقترب من مساحة مدينتى السويس والإسماعيلية معًا…

لا بد للصحافة أن تخرج من «شرنقة» الصياغة التقليدية.. والصور الرسمية والعناوين المملة.. قال الرئيس.. أعلن الأمير.. حرارة اللقاء مع البابا تاواضروس… بن سلمان يشيد بالمشروعات.. السيسى يخرج عن البروتوكول ويستقبله فى المطار.. هذا بالإضافة إلى مقالات الترحيب التى غمرت الصحف خصوصًا من الزملاء الذين قابلوا سموه فى قصر السفير السعودى.. تسألنى ماذا كنت أفعل لو كنت مكانهم.. بسيطة صياغة تربط بين الشارع وجدول أعمال الزعيمين.. مثلاً.

«الزحام الذى شهدته شوارع القاهرة وتوقف السيارات لساعات طويلة تأمينًا لموكب الضيف السعودى خصوصًا حول الفندق الذى نزل فيه يعكس إلى حد كبير تشابك القضايا المتراكمة على جدول الأعمال التى من المفروض أن تكون مطروحة على الزعيمين فى هذا التوقيت الحساس قبل الزيارة التى دعا إليها ترامب فى كامب ديفيد قادة قطر والسعودية والبحرين والإمارات فى منتجع كامب ديفيد.. اختناق المرور على محاور الطرق الرئيسية بالعاصمة المصرية يماثل معاناة الأمة العربية التى تأجلت قمتها لأسباب لم نعلمها»..

على أى حال كان لا بد أن تمدنا الدولة بمعلومات عن ملفات الزيارة.. فالعقل والمنطق يؤكدان أنه لا يمكن أن تكون أول زيارة خارجية للأمير لمصر مخصصة فقط ليزور الكاتدرائية والأزهر ومشروعات الإسماعيلية والالتقاء بالصحفيين..

كان المفروض أن تركز الصحافة على أن الزيارة هى بمثابة توحيد لموقف القاهرة والرياض قبل زيارة ولى عهد السعودية لبريطانيا وفرنسا وأمريكا.. جولته ستركز على جذب استثمارات أوروبية وأمريكية للسعودية ومنها مشروع «نيبوم» الذى سيقام فى جنوب سيناء.. السعودية «البترولية» تبحث عن الاستثمار رغم أنها تملك أكبر إنتاج يومى من النفط.

كان يجب أن نقرأ انفرادات من الذين جلسوا مع الأمير عن ترتيبات صفقة القرن بخصوص «القضية الفلسطينية».. مصر أعلنت أنها ترفض التنازل عن أى أرض فى سيناء! ما هو موقف الرياض؟ وماذا سننتظر من السعودية ومصر إزاء استهتار أمريكا بحل الدولتين.. أيضًا لا بد أن يطرح تساؤل عن دور القاهرة والرياض فى الترويج لهذه الصفقة التى يرى كثيرون أنها مشبوهة.. كيف سيتم تسويقها إذا كانت السلطة الفلسطينية ترفضها.. ما هى بنودها وخريطتها وحدودها ومراحل تنفيذها؟!

هل طرح ولى العهد السعودى على الرئيس رؤية جديدة حول سوريا واليمن خصوصًا وأن السيسى أكد أكثر من مرة على وحدة الأمن القومى العربى.. الملف اللبنانى الشائك والانتخابات المقبلة هناك وموقف السعودية من حزب الله وخصوصًا السُنَّة وزعيمهم سعد الحريرى الذى احتجزته الرياض قرابة 45 يومًا..

من غير المعقول أن تتم الزيارة دون التطرق إلى الملف الإيرانى وتداعياته على دول الخليج خصوصًا البحرين.. ملفات القمة العربية المقبلة التى كان من المفترض إجراؤها الشهر الحالى بالرياض لا أحد يعرف عنها شيئًا.. وهل تم تأجيلها لأنها تتعارض فى التوقيت مع الانتخابات الرئاسية المصرية والتشريعية اللبنانية أم أن هناك أسبابًا أخرى.. أو بالأحرى تعليمات لتعديل الترتيبات بحيث يصدر بيان القمة وفيه إشارة ضمنية لصفقة القرن لإنهاء القضية الفلسطينية والتفرغ لمستقبل المنطقة بعد السلام والتطبيع..

كان ينبغى أن نعرف تفاصيل أكثر عن العاصمة الاقتصادية الجديدة فى سيناء التى ستمولها السعودية واسمها «السلام» ومتى يبدأ وينتهى جسر الملك سلمان؟ هذه الأسئلة ليست أسرارًا حربية ولا هى بمثابة كشف للأمن القومى العربى وتعريضه للخطر.. ولكنها معلومات مجردة.. لا بد أن تتغير عقلية السلطة فتبوح بما يجول فى الخاطر وبنفس القدر ينبغى أن تختلف أسئلة الصحفيين وبحثهم عن الحقيقة.. بوصلة الصحفيين تتجه نحو المعلومات وليس إزاء النفاق والتملق أو الحصول على مجاملات أو رحلات حج وعمرة..

محمد بن سلمان فى ضيافة الصحافة المصرية بكل خبراتها وعراقتها ولا يخرج منها مانشيت واحد أو تصريح يتحدث العالم العربى عنه من المحيط للخليج.. ملك المستقبل فى دولة كالسعودية بكل مايحدثه فيها من تغيير جذرى ينسف وهابيتها التقليدية يحتاج دعم مصر السياسى والمعنوى بكل عراقتها وتحضرها.. يسعى لظهير دينى ممثلا فى الأزهر المرجعية الوسطية السنية الوحيدة فى العالم.. يصبو لمكانة كنيستها العالمية نافيا عن نفسه وبلده تهمة عدم الاعتراف بالديانات الأخرى.. يحتاج قوتها العسكرية وإمكانياتها الاقتصادية..

لكن للأسف انتهت الزيارة وكان الأبرز فيها عنوان صحيفة «الدستور» والخلاف حوله والتفسيرات اللغوية والنحوية حول معناه والمعركة التى دارت حول عبقرية الصحفى لاستشراف المستقبل وبين جمهور رأى أنه أساء للذات الإلهية.. هذا ماخرجنا به.. ياخسارة.

نقلًا عن «المصري اليوم»