ads
ads

شتم الإعلاميين

عمرو الشوبكي- أرشيفية
عمرو الشوبكي- أرشيفية
عمرو الشوبكي



يدهشك أن يصب البعض جام غضبه على الإعلاميين باعتبارهم سبب مصائب الكون والبلد، وينسى أو يتناسى مسؤولية النظام السياسى الذى يدير ساحة الإعلام ويوجه كثيراً من الإعلاميين فى مفارقة تبدو لافتة.

يقينا هناك أخطاء مهنية جسيمة (تعاملت معها الدولة بحياد واضح) وقع فيها إعلاميون، وهناك حملات تحريض وشتائم منظمة قام بها إعلاميون آخرون ظلت محل ترحيب طالما طالت المغضوب عليهم أو من ليسوا على الهوى، وظلت قضية المهنية مؤجلة رغم محاولات البعض داخل الدولة والجماعة الإعلامية وضعها على سلم الأولويات.

إن ما جرى الأسبوع الماضى كان صادما، حين شتم تيار من المؤيدين الإعلامى المؤيد أيضا خيرى رمضان عقب توقيفه ليومين، وشتموا معه كثيرا من الإعلاميين تضامنوا معه بشجاعة فى موقف يحسب لهم جميعا، واعتبروهم جميعا طابورا خامسا ومتآمرين على الدولة والرئيس، وأنهم حققوا ثروات ضخمة، وأنه لم يعد لهم قيمة ولا يثق فيهم الناس وغيرها من التهم والشتائم.

والسؤال المطروح أو المنسى إذا كان الجمهور المؤيد للنظام السياسى لا يثق فى الإعلاميين، فلماذا يحرص النظام الذى يؤيدونه على إعطاء كل هذه الأهمية والأولوية للإعلام والعمل على السيطرة على كل القنوات الفضائية الخاصة والجانب الأكبر من الصحافة المكتوبة؟!.

صحيح أن كل النظم السياسية تهتم بالإعلام، ولكن النظم الشمولية تعمل دائما على ترويضه أو ترهيبه فى حين أن النظم الديمقراطية أو التى ترغب فى أن تكون ديمقراطية تضع له قواعد مهنية تضبط عمله، وتحرره فى نفس الوقت من القيود السياسية والأمنية، وهو لا يعنى أنه لا يتعرض فى أحيان كثيرة لمحاولات الترويض أو التوجيه بتأثير جماعات الضغط والمصالح، إلا أن القواعد المهنية المنظمة لعمله تعد بمثابة الضامن الأكبر الذى يحول دون تبعيته الكاملة للمال والسلطة.


إن ما جرى على شاشة كثير من الفضائيات المصرية أمر غير متكرر فى بلاد أخرى، وربما لم نره فى بلادنا من قبل، فقد تحول النقاش السياسى الذى يفترض أن يكون بين قوى وبرامج سياسية إلى سجال وأحيانا تلاسن بين إعلاميين، وتحول خلاف الأفكار والبرامج والرؤى الذى هو علامة (أو رغبة فى) تقدم أى أمة إلى حملات للتخوين والشتائم والمزايدات الهابطة من قبل بعض «الإعلاميين المحصنين».

إن المساحات التى نالها الإعلام والإعلاميون مؤخرا نتيجة طبيعية لتفريغ العملية السياسية من مضمونها، وغياب المجتمع عن المبادرة والفعل، نتيجة القيود المفروضة على حركته، وعدم وجود نقاش عام بين قوى مجتمعية موجودة عمليا على الأرض، وينقله الإعلام باعتبار أن دوره الأساسى هو نقل الخبر لا صناعته، فأخذ الإعلام «بفعل فاعل» مساحات غير متعارف عليها فى أى نظام سياسى يشرك المجتمع فى خياراته.

إن حملة الشتائم التى نالها إعلاميون مؤيدون لا ينتمون للقلة المحصنة، تعبر عن تناقض فى التعامل مع ظاهرة الإعلام والإعلاميين، باختيار الطرف الأضعف فى المعادلة الحاكمة للإعلام فى مصر، وكيل الاتهامات والسباب له دون التطرق إلى من المسؤول أصلا عن هذا الوضع.

علينا مراجعة واقع الإعلام فى مصر والعمل على ضبطه بحد أدنى من القواعد المهنية التى تنظم عمله قبل التفكير طوال الوقت فى السيطرة عليه ومحاسبته عن السهو والخطأ.

نقلًا عن «المصري اليوم»