ads

حُريات أربع!

سليمان جودة
سليمان جودة
سليمان جودة
ads


أظن أن العلاقة بين القاهرة والخرطوم يجب أن تتحرَّر من عُقدة ١٩٩٥!.. ففى ذلك العام جرت محاولة اغتيال مبارك فى إثيوبيا، وتبيَّن فيما بعد أن الذين شاركوا فى المحاولة كانوا قد جاءوا من السودان!

وقد عاش «مبارك» لا ينسى أنه كان على موعد مع الموت المؤكد فى تلك الرحلة، لولا عناية الله أولاً، ثم لولا عمر سليمان، رئيس المخابرات، الذى أصرَّ قبل زيارة الرئيس إلى أديس أبابا على أن تسبقه سيارة مصفَّحة إلى هناك، لتأخذه من المطار إلى مقر القمة المنعقدة فى العاصمة الإثيوبية.. وكانت معلومات رئيس المخابرات تقول إن محاولةً من نوع ما حدث يجرى التحضير لها!، ثم لولا حذر فطرى لدى «مبارك» جعله يأمر قائد السيارة بالعودة فى اتجاه المطار، عندما لمح عن بُعد كميناً آخر ينتظره عند نهاية الأفق!

وقد عاشت عقدة ٩٥ مع الرئيس الأسبق طوال السنوات التى قضاها فيما بعد فى الحكم!.. وكان بعدها يُنيب رئيس وزرائه، أو وزير خارجيته، فى كل مناسبة أفريقية يكون على مصر أن تحضر فيها.. إلا فى أقل القليل.. وكان إذا وجد نفسه مضطراً لزيارة إلى دولة من دول القارة ذهب وعاد فى نفس اليوم!

ولم أكن أعرف أن موضوع الحريات الأربع بيننا وبين السودان موضوع قديم، إلى أن سمعت عنه من الوزير إبراهيم فوزى قبل أيام!

فالرجل كان فى زيارة إلى العاصمة السودانية عام ٢٠٠٣، وكان على موعد مع الرئيس عمر البشير، ومنه مباشرةً سمع أنه عرض الحريات الأربع على الرئيس مبارك، من فترة، وأنه لم يحصل على أى رد!

وحين عاد الوزير فوزى للقاهرة سأل عن الحكاية لدى كل مسؤول كان يتوسَّم أن يجد عنده إفادة، ولكنه لم يصل إلى أى شىء!

والواضح أن «مبارك» لم يكن مستعداً على المستوى النفسى، بعد ٩٥، لحريات أربع، ولا لحريات ثلاث، ولا حتى لحرية واحدة.. وهو بمقاييس البشر معذور!

ولكن بمقاييس العلاقات بين الدول، ثم بمقاييس العلاقة بين دولتين مثل مصر والسودان، كان لابد من تجاوز آثار العقدة، وكان لابد من تقديم صالح الشعبين على خلافات الحكومتين فى البلدين!

وإذا كان من حق أى مواطن قاهرى- مثلاً- أن ينتقل إلى الإسكندرية، ويقيم فيها، ويعمل، ويتملَّك.. فهذه بالضبط الحريات الأربع التى يتأرجح الكلام حولها بيننا وبين السودان، هذه الأيام، وعندما تقرر الحكومتان تحويلها إلى سياسات عملية على الأرض ستكون هذه الحريات الأربع مُتاحة للمواطن القاهرى ذاته، فى مدينة ود مدنى السودانية، وفى أم درمان، وفى كل مدينة غيرهما هناك، وسيكون الحق نفسه مُتاحاً لكل مواطن سودانى فى القاهرة، وفى الإسكندرية، وفى كل مدينة مصرية سواهما!

ميزة الحريات الأربع أنها تربط بين شعبين، لا بين حكومتين.. وميزتها أيضاً أنها تمد جسراً بين كل ما هو مصرى، وبين كل ما هو سودانى، شعبياً بالذات، فيمتنع الوسطاء من خارج الوادى!

الحريات الأربع تستحق اهتماماً أكبر مما هو حاصل، ومصارحة أوسع منا.. ومنهم!.

نقلًا عن «المصري اليوم»

ads