ads

عمرو موسى وسلماوى فى سيرتهما الذاتية

محمد أبو الغار- أرشيفية
محمد أبو الغار- أرشيفية
محمد أبو الغار
ads


صدر الجزء الأول من مذكرات كل من عمرو موسى ومحمد سلماوى، وقد أثار كلا الكتابين ضجة فى وسائل الإعلام، لأن الشخصيتين لعبتا دوراً مصرياً متميزاً.

المذكرات هى كتاب يحتوى على أحداث تاريخية شاهدها أو لعب فيها المؤلف دوراً، ولكن الأحداث التاريخية والصراعات السياسية والدولية هى التى تلعب الدور الأكبر، مثال ذلك مذكرات عمرو موسى «كتابيه» الذى يتحدث عن تاريخه فى الخارجية المصرية، وبالطبع يتناول الكتاب الأحداث الجسام فى منطقة الشرق الأوسط وعلاقة القوى العظمى بها، ويتحدث كثيراً عن القضية الفلسطينية. هذه مذكرات يمكن أن تنضم إلى كتب التاريخ لأن بها وقائع ربما تكون غير معروفة. ويلعب الجزء الشخصى والإنسانى فى هذا الكتاب حيزاً محدوداً، ولكنه أضاف إلى المحتوى مذاقاً جيداً وأضفى بعض البهجة على الكتاب، وهو الجزء المتعلق بعائلة الأم والتاريخ القصير للأب وبعض الأحداث الشخصية فى العلاقات الدبلوماسية وعلاقاته بالرؤساء والشخصيات الكبرى.

مذكرات عمرو موسى مكتوبة بدبلوماسية وحذر شديد عن بعض الشخصيات والأحداث. أثار الكتاب ضجة بسبب بعض سطور قليلة لم يقصد فيها الإساءة إلى عبدالناصر ولكنها أثارت الاهتمام والجدل، ويكفى أن مصر كلها من مختلف الاتجاهات كانت موجودة فى حفل توقيعه. أعتقد أن الجزء الثالث من الكتاب الخاص بأحداث ثورة 25 يناير وما بعدها هو الجزء الأكثر أهمية، وأعتقد أن عليه أن يؤجل الجزء الثانى الخاص بجامعة الدول العربية إلى ما بعد الجزء الثالث، ولكن يبدو لى أن ذلك لن يحدث لأن أحداث الثورة وما بعدها مازالت ساخنة وقريبة والصياغات الدبلوماسية لن تصلح فى سردها.

أما الكتاب الثانى بقلم محمد سلماوى «يوماً أو بعض يوم» وهو كتاب عن السيرة الذاتية وليس مذكرات مثل كتاب عمرو موسى. الكاتب وحياته الشخصية وتاريخ عائلته تلعب الدور الرئيسى فى الكتاب، وفى الخلفية تجرى الأحداث السياسية والحروب وتعكس ما يحدث فى مصر ورحلة عمله تعكس الواقع الثقافى والجامعى والصحفى فى مصر.

هذا النوع من السير الذاتية هو الأكثر تشويقاً لأن فيه الحرارة والحماس والحب والغضب والفشل والنجاح، وكل ذلك ليس بعيداً عما يجرى فى مصر، والتى تغيرت بسرعة كبيرة من أيام جده إلى أيام أبيه الذى كان سابقاً لعصره فى كثير من الأفكار وقادراً على التجريب والابتكار. وكانت أمه مثالاً واضحاً لطبقة عليا فى مصر تميزت بالثقافة الغزيرة والارتباط بالأفكار الغربية الحديثة التى لها علاقة بالحياة والطعام والملابس والفنون، وإن حافظت على علاقتها الوثيقة بأصلها المصرى وارتباطها مثلاً بأم كلثوم وفنها.

علاقة سلماوى بحسنين هيكل وعمله فى الأهرام وتأثير الأهرام على الثقافة المصرية وعمالقته من الحكيم ومحفوظ ويوسف إدريس وحسين فوزى إلى آخر هذه المجموعة المبهرة من عقل وقلب مصر عكست صورة حقيقية عن الوطن، وما فعله هيكل الجورنالجى المتميز الذى طور صحيفة مصرية لتصبح رائدة فى كل العالم، وهو غير هيكل السياسى الذى اختلف الناس حوله وحول أفكاره، وهو ما ابتعد عنه سلماوى فى كتابه وركز فقط على الجورنالجى والإنسانى.

تميز كتاب سلماوى بالصراحة حين تحدث عن نفسه وعائلته والحب الذى ربطه بزوجته الفنانة نازلى مدكور وحكى أشياء خاصة سعدت بها لأنها تعكس الحقيقة، ولكنه بالطبع لم يصل فى الصراحة إلى لويس عوض صاحب واحدة من أبرع السير الذاتية المصرية. ولكنه تفادى بمهارة التعبير عن الوجه الآخر بصراحة حين تحدث عن الآخرين مثل رشاد رشدى وكبار رجال الدولة الذين عرفهم عن قرب.

السيرة الذاتية فن جميل دائماً تبهرنى فيه الرواية والمعرفة بالإنسان وأفكاره والتاريخ. هناك سير ذاتية مصرية عظيمة، ولكنك تختلف فى تعريفها وفى قيمتها، فهناك «أيام» طه حسين، و«زهرة العمر» و«سجن العمر» للحكيم، ومذكرات عبدالرحمن بدوى، ورفاعة الطهطاوى «تخليص الإبريز»، و«مشيناها خطى» لرؤوف عباس فائقة الشجاعة.

وهناك مذكرات تاريخية مثل «مذكراتى» للرافعى، و«مذكراتى فى نصف قرن» لأحمد شفيق باشا، وهى ممتعة وموثقة وتحكى الكثير عن تاريخ مصر فى فترة مهمة. ومذكرات سعد زغلول وشجاعته فى الكتابة عن إدمانه للقمار. وهناك «فى بيت أحمد أمين» لجلال أمين، ونوال السعداوى فى أوراق حياتى، وعلاء الديب فى «وقفة قبل المنحدر»، و«خارج المكان» لإدوارد سعيد، ومن النشطاء أروى صالح «المبتسرون»، وأحمد عبدالله رزة عن الحركة الطلابية، و«الفاجومى» لأحمد فؤاد نجم، وكلها ممتعة.

هناك مذكرات عالمية مهمة أثرت كثيراً فى نفسى، منها أرنست هيمينجواى وأوسكار وايلد وشارلى شابلن ونيلسون مانديلا وجورج أورويل أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. وهناك مذكرات لعظماء ولكنها مملة مثل مذكرات تشرشل وديجول ومونتجمرى، وهناك مذكرات مليئة بالأكاذيب لرؤساء وسياسيين مصريين، ومذكرات لمجانين مثل «كفاحى» لهتلر.

حبى لقراءة المذكرات دفعنى لكتابة الجزء الأول من مذكراتى «على هامش الرحلة»، وقد نُشر عدة مرات منذ 12 عاماً فى ثلاث دور نشر، واستقر فى الشروق منذ عام 2010.

قراءة السيرة الذاتية ممتعة ومفيدة وفيها دروس كثيرة.

قوم يا مصرى.. مصر دايماً بتناديك.

نقلًا عن "المصري اليوم"

ads